تسارعت الخطوات بين أنقرة وموسكو.
عشرة أشهر من القطيعة الصعبة انتهت "بتطبيعٍ" محكوم بالمصالح الاقتصادية، التي علت على ما عداها من القضايا والتعقيدات، على رغم أهميتها وتأثيرها، ولا سيما في ما يتعلّق بخارطة التحالفات العالمية، وادارة الأزمة السورية، والعلاقات الروسية- الاوروبية وكذلك العلاقات الاوروبية -التركية، بالاضافة الى العنصر الأميركي الذي يشكّل دائما فرقاً.
وعلى رغم التباين على الساحة السياسية الذي ما زال قائماً، الّا أنّ قطاع "الطاقة والغاز" حسم الأمر.
فمؤتمر الطاقة الذي عُقد في اسطنبول، أرسى الاتفاق الذي انتظرته تركيا منذ العام 1990، وهو مشروع "السيل التركي" الذي يهدف إلى نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر قاع البحر الأسود إلى البر التركي لينتهي عند الحدود التركية اليونانية، وينقل إلى الحدود التركية اليونانية نحو 47 مليار متر مكعب من الغاز، ومن المفترض أن يتم إنشاء مجمع للغاز عند الحدود التركية اليونانية، تستطيع دول الاتحاد الأوروبي سحب الغاز الطبيعي منه عبر خطوط لنقل الغاز خاصة بها، على أن يبلغ طول خط أنابيب الغاز نحو 1100 كم.
ويمكن التأكيد أن مسار العلاقات التركية-الروسية، يرقى الى مستوى العلاقات الجيو استراتيجية، فعلى رغم اسقاط تركيا للسوخوي الروسية العام الماضي، وارتفاع حدة الخلاف كان بارزاً حرص البلدين على عدم ايقاف أي من المشاريع الاستثمارية الكبرى بينهما في مجال الغاز والطاقة، وهذا ما ينطبق على خط أنابيب الغاز وعلى مشروع بناء المحطة نووية "أك كويو" التي تبنيها روسيا لتركيا، وغيرها من المشاريع.
وللاشارة، فإن تركيا تستورد من روسيا نصف احتياجاتها تقريباً 56% من الغاز، وتعد روسيا الشريك التجاري الثاني لتركيا منذ العام 2005 بعد ألمانيا، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام 2014 إلى 31 مليار دولار أي 8% من مجمل حجم التبادل التجاري التركي الخارجي.
وبلغ حجم المستوردات التركية في العام 2014 حوالي 242 مليار دولار، اذ بقيت روسيا على رأس قائمة المصدرين لتركيا خلال الأعوام من 2005 إلى 2014 .
وأما العقوبات الروسية على تركيا، فقد أثرت في قطاع السياحة التركي الذي مني بخسائر تقدر بين 8 و15 مليار دولار نتيجة المقاطعة (يضاف اليها طبعاً العمليات الارهابية التي تضرب تركيا)، وكذلك الأمر بالنسبة لقطاع الزراعة.
وفي المقابل، فقد أضرّت هذه العقوبات بروسيا نفسها، لاسيما في ما يتعلق بقطاع الإنشاءات واستيراد السلع والبضائع التركية، خصوصاً بعد الأداء السلبي للاقتصاد الروسي في العام 2015 حيث بلغت نسبة التضخم 16% وتراجع الناتج المحلي الاجمالي إلى 4- % وانخفضت قيمة العملة الروسية 44% .
وبناء على ما تقدّم، لا شك في أن هناك مصلحة مشتركة في انفتاح الطرفين على بعضهما البعض، لكن التناقض في مواقفهما لا يزال قائماً، اذ تركز المطالب الروسية على ضرورة إغلاق الحدود التركية مع سوريا بشكل كامل ومنع أي إمدادات للفصائل المسلحة، وفي المقابل يركز الجانب التركي على ضرورة التعامل مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) باعتباره فرعاً من حزب العمال الكردستاني وهو ما تصنّفه تركيا حزباً ارهابياً.
تتشعب العلاقات بين البلدين وتتعقد، لكنّ الاكيد أن الخصومة السياسية لن تؤثر على العلاقة الاقتصادية، كما قالت صحيفة " ناشيونال بيزنس تايمز" التي بيّنت أنه بهذا التقارب ستحصل تركيا على المزيد من المساحة في مناوراتها في سوريا، وأن عملية التقارب الفعلية ستكون تدريجية، وذلك نظرا إلى أن القوتين تريدان في البداية دراسة الأمور ووضع خطة واضحة. ولكن ليس هناك شك في أن كلا من السلطان والقيصر سيقومان بأصح الخيارات.
جيسي الحداد