بَنَت واشنطن سياستَها في العراق على ثابتةِ عدم السماح لإيران بملء الفراغ. ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن يُنسب النصر على داعش في المنطقة لقاسم سليماني ورفاقه.
أمام هذه المصلحة، يَهونُ كل شيء: ضغوطٌ سياسيةٌ على المسؤولين العراقيين، غارات "بالخطأ" على مواقع الحشد الشعبي، إلقاء صناديق ذخيرة "بالخطأ" في مناطق داعش، رفع الأصوات المذهبية كلما اقتربت القوات العراقية الحكومية من مناطق تقطنها أغلبية محددة ويسيطر عليها التنظيم الإرهابي،..
لا نقاش في أن الموصل ساقطة عسكرياً. مسألة وقت فقط قبل ان تتعرض صورة التنظيم الارهابي لأكبر هزيمة منذ صعوده.
غير ان مصالح اللاعبين الاقليميين والدوليين هي التي ترسم معالم المشهد شمال العراق اليوم، مع ما يحمل هذا المشهد من تداخل مع شقه السوري.
حتى الساعة، يمكن تسجيل الملاحظات التالية على معركة الموصل:
- انهيار سريع لمقاتلي داعش في الخطوط الدفاعية الأولى، بالتزامن مع فشل حرق آبار النفط في التأثير على الضربات الجوية، وأنباء عن انهيار لمنظومات الاتصالات المركزية وسط المحافظة، ومشاركة عشائر جنوب الموصل بطرد داعش من القرى.
- إرباك تركي في ظل تأكيد بغداد على التعامل مع أي تدخل مباشر على أنه احتلال، ما دفع بأنقرة الى ارسال وفد رفيع المستوى الى العاصمة العراقية بعد ورود أنباء عن ان العمليات ستتركز في الساعات المقبلة في محيط معسكر "بعشيقة" الذي تتواجد فيه قوات تركية.
- عدم حدوث موجات نزوح مدنية بأعداد تفوق قدرة السلطات العراقية على الاستيعاب، نتيجة التوجيهات والاجراءات المتخذة والتي وصلت حد التنسيق المباشر خاصة بين الحشد الشعبي والمواطنين في الموصل.
- غياب قيادات "داعش" عن الإدلاء بأي مواقف تشير الى نية التنظيم بالدفاع عن عاصمته بشكل يتناسب مع الصورة التي رسمها لنفسه، بعد ان كان يهدد قبل أشهر قليلة باجتياح العالم من بغداد الى روما! مع الإشارة الى ان تقارير ترد من داخل مدينة الموصل، مركز المحافظة، تشير الى وقوع خلافات مالية بين شرطة الحسبة والمقاتلين العراقيين في التنظيم عشية تحرير المدينة، فضلا عن الاضطرار الى الزج بأطفال ما بين العاشرة والسبعة عشرة عاما في الخطوط الأمامية بعد انسحاب القيادات مع عائلاتهم غربا باتجاه سوريا.
- مسار المعركة الحالية وحشد القوى المشاركة فيها على اختلاف انتماءاتها أعاد رسم صورة التنظيم الارهابي؛ من "دولة خلافة" الى جماعة خارجة على القانون تقاطعت مصلحة اللاعبين المحليين على طردها من الموصل، بانتظار جلاء غبار المعركة، وما سينتج عنها من اعادة ترتيب لأوراق اللعبة السياسية الاقليمية والدولية.