ورد في صحيفة "الديار" أن لتطورات الاقليمية عادت تلقي بظلالها على الاوضاع الداخلية اللبنانية، والتوتر في العلاقات الاميركية - الايرانية سينعكس مجدداً على لبنان وربما يؤدي الى انفجار الشرق الاوسط برمته، في ظل اعلان الرئيس الأميركي اوباما انه سيوقع تجديد العقوبات على ايران لمدة 10 سنوات. والرد الايراني الحاد بالاعلان عن اتخاذ اجراءات تتعلق بعودة النشاط النووي وهذا سينعكس حتماً على لبنان وسوريا والعراق واليمن وكل الملفات المتفجرة في المنطقة في ظل التعاون الروسي - الايراني في سوريا، حتى ان الرئيس الاميركي المنتخب دونالد ترامب اتفق مع الرئيس باراك أوباما على العقوبات، والرئيس ترامب قاد حملته الانتخابية على أساس العداء لايران والعمل على الغاء الاتفاق النووي والانحياز لاسرائيل وهذا ما بدا واضحاً في فريقه المعاون داخل البيت الابيض، وبالتالي حتى لو تشكلت الحكومة اللبنانية الاسبوع المقبل او الذي يليه، فانها لن تستطيع انجاز اي شيء وستعصف الخلافات داخلها قبل وضوح التوجه الأميركي الجديد للتعامل مع ملفات الشرق الاوسط كون الرئيس ترامب لم يتحدث بعد عن لبنان في اي تصريح. لكن التوترات في المنطقة لن تبقي لبنان بمنأى عن نارها، وهذا ما سيفرض على الحكومة عدم تحديد سياستها قبل اتجاه رياح ترامب الشرق أوسطية بعد 21 كانون الثاني 2017.
بالمقابل فان التطورات في سوريا والاتصالات الأميركية - الروسية ثبتت الرئيس بشار الاسد في حكم سوريا، وبعدها جاء انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون متزامنا مع تطورات ميدانية لصالح النظام السوري في حلب، حيث ستنعكس على الساحة اللبنانية ومواقف الاطراف، ومحاولة البعض استثمار هذا التقدم لصالحه داخليا، رغم ادراك الجميع مدى العلاقة الممتازة بين الرئيسين ميشال عون وبشار الاسد. وهذه التطورات الجديدة قد تكون لصالح العهد. وربما هناك من يحاول الالتفاف على هذا التطور ومزعوج منه وعرقلة عدم استثماره من قبل العهد لمصلحة لبنان واستقراره وقيام المؤسسات.
وحسب مصادر متابعة، فان الاجواء السائدة في البلاد "لا تطمئن" احداً في ظل الحملات وعمليات التخوين وانقسام البلد بين ثنائية مسيحية عون - جعجع، وثنائية سنية، الحريري - اشرف ريفي، وثنائية شيعية امل - حزب الله، فتغيرت الخريطة وانتهت 8 و14 اذار، مع هذه الثنائيات ومجيء رئيس الجمهورية ميشال عون كرجل قوي على رأس الدولة وخوف البعض من ان يستثمر قوته وحضوره في الدولة لصالح المسيحيين وستكون حتما على حساب بقية المذاهب والطوائف. فاذا ربح الرئيس عون على الرئيس نبيه بري خسر الشيعة، واذا ربح عون على السنة خسر السنة، واذا انكسر الثنائي المسيحي انكسر المسيحيون، ولذلك نحن محكومون بمعادلة "لا غالب ولا مغلوب" في كل امور البلد من الحكومة الى التعيينات الى ما بعد الحكومة و"النقزة" من قوة الرئيس ميشال عون الذي لا يستطيع احد "ليّ ذراعه" ويتحدث بلهجة عالية، ومصمم على خطواته الاصلاحية واعطاء هيبة للدولة ووضع المؤسسات تحت نفوذه حتى ولو كان الدستور واضحاً لجهة ان رئيس الجمهورية "حكم ولا يحكم" وهذا المنحى لا ينجح مع العماد ميشال عون.
ولذلك، بحسب المصادر ذاتها، المطلوب الآن تحجيم الرئيس ميشال عون واضعافه والغاء دوره، والمشكلة ليست جرافات وزارة الاشغال وليس دعوة النائب سليمان فرنجية الى بعبدا والعارف بأنه خسر المعركة وعليه ان يتقبلها، لذلك المطلوب تحويل الرئيس ميشال عون من الرئيس القوي الى الرئيس الضعيف ورئيس كيفما كان، مع العلم ان الرئيس ميشال عون كان في الرابية اقوى، ويضع الامور عند حدها بشكل حاسم، ومواقفه صلبة وواضحة ولا تراجع عن ما يعلنه، اما اليوم وفي بعبدا اصبح اضعف، وهو لا يضغط، ولا يتدخل، ولا خطة لديه لمواجهة خصومه الذين ينتظرونه عند اي "كوع" للهجوم عليه، ولا يمكن ان تستمر الامور على هذا الوضع من عدم تشكيل الحكومة بعد شهر على وصول الرئيس عون الى بعبدا، وضرب الاجواء الايجابية التي رافقت انطلاقة العهد بدأت تخبو وتتراجع، والرئيس عون يعلم بهذا الامر ربما من خلال التقارير التي تصله، ولذلك المطلوب المبادرة من الرئيس عون ووضع النقاط على الحروف والضرب على الطاولة بوجه من سيحاول عرقلة العهد ومغادرة "المواقع الدفاعية" الى الهجوم، وهو يعرف هذه النظرية جيداً نتيجة تاريخه العسكري، حتى ان "البيان الابوي" الصادر عن بعبدا رد عليه "تيار المردة" بوضوح وبأنه لا هواجس لدى المردة، وان النائب فرنجية لن يزور بعبدا الا بدعوة وليس عبر بيان، وبدلاً من هذا البيان فلينفذ مطلب فرنجية بوزارة وازنة، وهذا أمر جديد على لبنان وعلى المؤسسات، لان قصر بعبدا مفتوح لكل اللبنانيين واخذ المواعيد لا يختلف عليها اثنان، والرئيس هو الضامن للجميع ولدرس هواجسهم ويزار ولا يزور وهذا ما يؤكد ان الخلاف ربما كان اعمق من وزارة لجهة اضعاف الرئيس عون والعهد ودوره وهيبته، رغم تأكيد المعنيين بالتأليف ان غداً سيشهد اتصالات مكثفة مع سلسلة من الاجتماعات ستؤدي الى حلحلة الأمور والاجواء ستكون جيدة، و"طرية" بين الرئيس عون وبري وبين الرئيس عون وفرنجية، وهذا سيعود الى نشاط حزب الله الحريص على العهد والحكم وانطلاقته، رغم ان حزب الله يتحرك بعيداً عن الاضواء، لكنه يعمل على تقريب وجهات النظر، وبالتالي فان الاجواء توحي بولادة حكومة هذا الاسبوع أو الذي يليه.
وبالنسبة للنائب سليمان فرنجية فان حزب الله ابلغ الرئيس عون انه وقف على خاطره بالنسبة لرئاسة الجمهورية والتزم معه ووقف ضد كل من عارض وصوله وبالتالي فان حزب الله يتمنى على الرئيس عون الوقوف على خاطر فرنجية وهذا ما سيخفف من الجو المشحون في وسائل الاعلام الذي انعكس سلباً على العهد والبلد، وهذا ما سيؤدي الى تراجع التشنجات والمواقف السلبية بين الرئيس عون وفرنجية الذي سيزور قريباً بعبدا بعد تأكده من وضع الحكومة وحسم المقعد الوازن له.
ورغم ذلك، وحتى لو تشكلت الحكومة فان الانتخابات النيابية في 21 ايار ستكون ضاغطة على الجميع. ويبقى الهاجس الاساسي ربما للرئيس نبيه بري وللثنائي الشيعي هي الاحلاف المقبلة. وماذا اذا تحالف الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع وانضم جنبلاط الى هذا المحور وهذا ما سيعطيهم اكثرية المجلس النيابي وربما يتجاوز العدد ثلثي عدد المجلس النيابي اي 84 نائباً وعندها ستتغلب المقاييس ضد الثنائي الشيعي ومن هنا فان الثنائي الشيعي سيتمسك بالثلث الضامن في الحكومة لتعطيل اي توجه لاقرار قانون انتخابي على اساس الستين، كما ان الرئيس عون يريد ايضاً الحصول على الثلث الضامن عبر كتلته الوزارية ووزراء التيار وغيرهم وبالتالي فان جانباً من الصراع ينحصر ايضاً بالثلث الضامن ومن يملك القرار، الرئيس ميشال عون او الثنائي السني او الثنائي الشيعي؟ ويبقى موقف جنبلاط بيضة القبان للحسم باتجاه هذه الثنائية او تلك.
علماً ان الانتخابات ستتم على قانون الستين واذا بقي هذا القانون فان الثنائي المسيحي وحده سيحصل على 50 نائباً وهؤلاء سيشكلون قوة كبيرة في يد الرئيس ميشال عون وكيف اذا انضم اليهما الحريري وجنبلاط، ولذلك لن يتنازل الرئيس بري عن النسبية، لكن لا نسبية ولا قانون جديد سيتم اقراره والانتخابات ستتم على اساس الستين، وسيكون القانون مسألة كبرى وأساسية للثنائي الشيعي.
هذه الهواجس لا يمكن اسقاطها والقفز فوقها بسهولة رغم ان مسؤولاً مالياً كبيراً قال لـ"الديار" ان سنة 2017 ستكون سنة ازدهار، هذا المصدر موثوق وعال وله السلطة والامرة والقدرة على ادارة الامور المالية والنقدية والمصرفية.
ولكن تبقى كل هذه التطورات مرهونة بوضوح الصورة الميدانية في سوريا واتجاهات ترامب وبالتالي الامور ليست سهلة الا اذا سادت اجواء ايجابية ببركة العيدين عيد المولد النبوي الشريف وعيد الميلاد المجيد.
(
الديار)