عندما يسقط رئيس بعثةٍ ديبلوماسيّةٍ روسيّةٍ ضحيّةً لعمليّةِ اغتيالٍ إرهابيّةٍ تجري في دولةٍ لا يكفّ الإرهاب عن العبث بأمنها وحياة أبنائها بين الحين والآخر مثل تركيا، حيث درجة الاستشعار الأمنيّ لا بدّ من أن تكون في مختلف الأوقات والظروف حسّاسةً وعاليةً بالشكل الذي يُفترض أن يؤهّل الأجهزة المختصّة لمواجهة الأخطار المحتمَلة والتعاطي بفاعليّةٍ مع أيّ طارىءٍ قد ينجم عنها، فإنّ أولى الاستنتاجات التي يمكن التوصّل إليها في أعقاب رصد الأسلوب المستخدَم في تنفيذ عمليّة اغتيال السفير الروسيّ في تركيا أندريه غيناديفتش كارلوف يوم أمس الاثنين، تشي بأنّ ثمّة حبكةً استخباراتيّةً بالغةَ الدقّة والتعقيد تمّ إعدادها وتجهيزها مسبقًا من أجل تسهيل وقوع الجريمة، سواءٌ عن طريق اختراق الأمن التركيّ أم عن طريق إلهاء الأمن الروسيّ، ولا سيّما أنّ السفير الراحل كان قد سقط في غفلةٍ عن أعين مئات الأشخاص الذين كانوا يشاركونه في افتتاح معرضٍ للصور الفوتوغرافيّة بعنوان: "روسيا بعيونٍ تركيّة"، علاوةً على أنّ الجاني الذي قيل إنّه يدعى مولود آل طنطاش، وفقًا للعديد من المصادر المتطابقة، هو أحد عناصر قوّات مكافحة الشغب التركيّة.
وإذا كانت هذه المعطيات تبدو كافيةً حتّى الآن لإيجادِ أرضيّةٍ صلبةٍ يمكن البناء عليها أكثر فأكثر في سياق تحليل خبايا الحبكة الاستخباراتيّة الآنفة الذكر، بما يمكن أن يؤدّي في المحصّلة النهائيّة إلى الكشف عن المغزى الحقيقيّ للرسالة التي أراد "الحبّاكون" إيصالها إلى روسيا عن طريق اغتيال سفيرها في تركيا، فإنّ ثمّة اعتبارين اثنين يُفترض أخذهما على محمل الجدّ لدى الخوض في أيِّ تفاصيلَ تتعلّق بجريمة الأمس، ويتمثّلان في أنّ مسارعة الرئيس رجب طيّب أردوغان إلى الإقرار في خطابٍ متلفزٍ بأنّ عمليّة اغتيال كارلوف "تهدف إلى إلحاق الضرر بالعلاقات التركيّة – الروسيّة"، وذلك بعدما كان منفّذ العمليّة آل طنطاش قد ردّد لدى قيامه بإفراغ طلقات مسدّسه في جسد ضحيّته عباراتٍ مفادها أنّ "هذا من أجل حلب"، لا بدّ من أن يشكّلا بدورهما أيضًا أرضيّةً صلبةً للانطلاق منها في اتّجاه إعادة التركيز على تحديد هويّة الجهات الإقليميّة والدوليّة التي كانت قد تضرّرت في الأصل جرّاء عودة المياه إلى مجاريها بين أنقرة وموسكو بعد فترةٍ من القطيعة شبه الكاملة، وخصوصًا على خلفيّة التطوّرات الميدانيّة اللافتة التي نجمت عن تفعيل التعاون والتنسيق بين الطرفين في ملفّ الأزمة السوريّة، وآخرها في حلب، وهي التطوّرات التي تكاد أن تقطع ما بين الشكّ وما بين اليقين بأنّ تركيا أوشكت على الخروج (إلى غير رجعةٍ) من الفضاء الأميركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ لصالح دخولها الأجدى والمستدام في فضاءِ عالمٍ متعدِّد الأقطاب لم تكفّ روسيا عن الدعوة إلى إقامته منذ تسلّم الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد الحكم في قصر الكرملين قبل ستّة عشر عامًا ولغاية اليوم.
الصيد السوريّ الثمين!
ومع الأخذ في الاعتبار أنّ البُعدين السياسيّ والعسكريّ لانتعاش العلاقات الروسيّة – التركيّة، في أعقاب المحاولة الإنقلابيّة الفاشلة التي استهدفت الإطاحة بنظام الرئيس أردوغان يوم الخامس عشر من شهر تمّوز الماضي، بقيا يشكّلان الخطر الأكبر على شروط استمراريّة نجاح الخطط الأميركيّة – الأوروبيّة – الخليجيّة الخاصّة بالأزمة السوريّة، الأمر الذي أجبر واضعي هذه الخطط على التلويح بسياسة العصا والجزرة في مناسباتٍ عدّة، حسب ما ظهر بوضوحٍ خلال الأسبوع الماضي، وتحديدًا عندما غطّى التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة عمليّة انسحاب أكثر من خمسة آلاف مقاتلٍ داعشيٍّ من الموصل في العراق إلى الرقّة في سوريا، تمهيدًا لإعادة إحكام سيطرتهم على مدينة تدمر، وبينما كانت مدينة حلب قد أوشكت على التحرّر من سطوتهم، إلّا أنّ ما يمكن أن يساهم في ترسيخ الاعتقاد بحتميّةِ وجودِ حبكةٍ استخباراتيّةٍ تكمن بين سطور الرسالة التي أراد المتضرّرون إيصالها إلى موسكو وأنقرة من خلال جريمة اغتيال السفير كارلوف البارحة، لا بدّ من أن يصبح جليًّا إذا ما صحّت المعلومات التي تحدّثت عن أنّ القوّات السوريّة عثرت على "صيدٍ ثمينٍ" لدى دخولها مؤخّرًا إلى شرق حلب، وذلك بعدما نجحت في إلقاء القبض على مجموعةٍ مؤلّفةٍ من أربعة عشر ضابطًا أجنبيًّا كانوا يشرفون على قيادة وتوجيه معارك فصائل المعارضة هناك.
وبحسب موقع "أغورا ليكس" الذي كان سبّاقًا في مجال نشر هذا الخبر، فإنّ هذه المجموعة تتشكّل من التركيّ معتز كانوغلو، والأميركيّ ديفيد سكوت وينر، والإسرائيليّ ديفيد شلومو آرام، والقطريّ محمد تميمي، والأردنيّ أمجد قاسم الطيراوي، والمغربيّ محمد الشافعي الإدريسي، إضافةً إلى ثمانية سعوديّين هم: محمد أحمد السبيان، عبد المنعم فهد الحريج، إسلام سلام الزهران الحجلان، أحمد بن نوفل الدريج، محمد حسن الصبيحي، حمد فهد الدوسري، قاسم سعد الشمري، وأيمن قاسم الثعالبي.
إشارات الجعفري من نيويورك!
ووفقًا لما تقدَّم، وعلى رغم شحّ المعلومات المتوافرة حول قضيّة هؤلاء الضبّاط وما إذا كان لإلقاء القبض عليهم أيّ علاقةٍ بفحوى الرسالة الأخيرة التي تلقّتها موسكو وأنقرة مكتوبةً بحبر دم السفير المغدور أندريه كارلوف، تمامًا مثلما هو الحال عليه من حيث شحّ المعلومات الواردة من العاصمة الروسيّة حول ملابسات جريمة الاغتيال، فإنّ الأمانة المهنيّة تستوجب الإشارة إلى ملاحظةٍ موجزةٍ وصلتني الليلة الماضية عبر تطبيق الـ "واتس أب" من صديقٍ لبنانيٍّ كان قد شارك شخصيًّا في الفريق الذي عمل على إتمام المصالحة الروسيّة – التركيّة في شهر آب الماضي وكتب فيها: "كشفنا العملاء.. فكان الصديق السفير أندريه كارلوف الهدف في أنقرة".
ملاحظةٌ.. لا بدّ من أن تعني الكثير إذا ما أسقطنا عليها فحوى الكلام الذي جاء البارحة على لسان مندوب سوريا لدى مجلس الأمن الدوليّ بشّار الجعفري، في أعقاب اكتمال التصويت بالإجماع على مشروع القرار الفرنسيّ بشأن نشر المراقبين التابعين للأمم المتّحدة سريعًا في حلب، للإشراف على عمليّات الإجلاء من المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، والاطمئنان على مصير المدنيّين الذين لا يزالون عالقين هناك، وخصوصًا عندما اتّهم القوى الغربيّة بأنّها تبذل قصارى جهدها لإرسال المراقبين إلى شرق حلب من أجل إنقاذ من وصفهم بـ "جواسيس أجانب يدعمون المعارضة"، قائلًا إنّ الهدف الرئيسيّ من وراء الخطوات الهستيريّة في مجلس الأمن خلال الأيّام القليلة الماضية يتمثّل في كيفيّة العمل على إنقاذ هؤلاء الإرهابيّين الأجانب وضبّاط المخابرات هناك.
وإذا كان الخوض في المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع لن يخرج في الوقت الراهن عن سياق التفكير على أساس ما اتّفِق على تسميته في أدبيّات المجتمع الدوليّ غير المهذَّبة بـ "عقليّة المؤامرة"، فإنّ المؤكَّد حتمًا هو أنّ الحرب الروسيّة على الإرهاب خلال مرحلة ما قبل اغتيال أندريه كارلوف ستتواصل حتّى إشعارٍ آخرَ خلال مرحلة ما بعد الاغتيال.. وأغلب الظنّ أنّ الاجتماع المقرَّر عقده اليوم في موسكو بين وزراء دفاع كلٍّ من روسيا وتركيا وإيران سيحمل الكثير من المفاجآت في مجال تحديد الوجهة المقبلة لإبرة بوصلة هذه الحرب.. وإنّ بعض الظنّ في الحالة الروسيّة الطارئة ليس إثمًا، وإنّما يقين!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)