ليس جديدًا على الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين أن يعكس إيماءات الثقة بنفسه في المؤتمرات الصحافيّة الدوريّة التي درجت العادة على أن يعقدها في نهاية كلّ عام، ولكنّ الجديد في مؤتمره الأخير يوم أوّل من أمس الجمعة، تمثّل في أنّ معظم الصحافيّين الحاضرين، روسًا وأجانب، أجمعوا على التطرّق بإسهابٍ إلى تلك الإيماءات، ولدرجةِ أنّ صحيفة "ذي وول ستريت جورنال" الأميركيّة تعمّدت الإشارة إلى أنّه لم يُظهر أيّ مبالاةٍ حول الاتّهامات التي وجّهها الرئيس باراك أوباما لروسيا بخصوص قيامها بشنّ هجماتٍ الكترونيّةٍ على الحزب الديمقراطيّ أثناء معركة الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة في الولايات المتّحدة، بينما تحدّثت صحيفة "دوتشي فيلله" الألمانيّة بإسهابٍ عن أنّه كان مسترخيًا لأنّ السنة الحاليّة كانت جيّدة بالنسبة له، تمامًا مثلما فعلت صحيفة "إندبندنت" البريطانيّة عندما ذكَرت ما مفاده أنّه بنهاية هذا العام، يمكننا القول إنّ بوتين رفع مكانة روسيا على الساحة الدوليّة، وكان هادئًا وواثقًا من نفسه.
لا شكّ في أنّ الردّ على ثمانيةٍ وأربعينَ سؤالًا خلال فترةٍ زمنيّةٍ تستغرق ثلاثَ ساعاتٍ وخمسينَ دقيقةً ليس سهلًا بمقاييس الاستيعاب والتحمّل على طاقات وقدرات قادة الدول بأيّ شكلٍ من الأشكال، ولكنّ ما ساهم في تعزيز هذه الطاقات والقدرات لدى الرئيس بوتين خلال العام الحاليّ، وعلاوةً على ما يتمتّع به عادةً من سرعةِ بديهةٍ تقليديّةٍ لافتةٍ، يبدو أنّه مستمَدٌّ في الأصل من اطمئنانه التامّ على مستقبل خططه ومشاريعه الخاصّة بالعديد من الملفّات الدوليّة والإقليميّة الساخنة، سواءٌ من جهة التوقّعات الراهنة بشأن إمكانيّة الارتقاء بالعلاقات الروسيّة – الأميركيّة إلى غدٍ أفضل لدى تسلّم الرئيس دونالد ترامب مهامّ منصبه في البيت الأبيض الشهر المقبل، أم من جهة ظهور المؤشّرات الأوّليّة على اقتراب موعد وضع القطار السوريّ على سكّة التسوية والحلّ في ضوء الإنجازات العسكريّة التي تحقّقت مؤخّرًا على جبهات القتال في مدينة حلب، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أيّ انفراجاتٍ مرتقبةٍ بين موسكو وواشنطن، لا بدّ من أن تؤثّر بشكلٍ إيجابيٍّ على كافّة الملفات الفرعيّة المرتبطة بتداعيات حالة التوتّر السابق، مثل السباق الدوليّ على التسلّح، وتمدّد حلف شماليّ الأطلسيّ شرقًا، والأزمة الأوكرانيّة بكافّة إرهاصاتها وأعبائها السياسيّة والاقتصاديّة، تمامًا مثلما يُتوقّع أن يكون عليه الحال لدى تحقيق أيّ انفراجاتٍ محتمَلةٍ للصراع الدائر حاليًّا في سوريا، لما سينطوي على ذلك من تأثيراتٍ إيجابيّةٍ على مسألة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمّتها، وتحديدًا في مجال دقّ المسمار الأخير في نعش ما اتُّفِق على تسميته مجازًا بـ "ربيع العرب".
وإذا كانت رسائل الغزل المتبادَلة والمتفاعِلة باضطراد بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين قد أصبحت بمثابة حجر الأساس الذي يمكن البناء فوقه مجسَّمًا متكاملًا لعالمٍ آمنٍ ومتعدِّد الأقطاب، لولا بعض النزعات المتهوِّرة والمتمثّلة بمواقفَ تصعيديّةٍ أوروبيّةٍ وأطلسيّةٍ لا تنمّ سوى عن تضرُّر مطلِقيها من أيّ تقاربٍ أميركيٍّ – روسيٍّ على الساحة الدوليّة، فإنّ الاستعدادات الجارية حاليًّا لإطلاق عمليّة التسوية السياسيّة السوريّة خلال المؤتمر المزمع عقده قريبًا في العاصمة الكازاخيّة أستانا، يمكن أن تشكّل بدورها حجرَ أساسٍ لبناءِ مجسَّمِ الشرق الأوسط الآمن والمستقرّ، لولا بعض النزعات المتهوِّرة والمتمثّلة بمواقفَ تصعيديّةٍ عربيّةٍ وخليجيّةٍ لا تنمّ بالتالي سوى عن تضرُّر مطلِقيها من تفعيل التقارب الراهن على المحور الروسيّ – التركيّ – الإيرانيّ.
على هذا الأساس، ولأنّ السنوات الستّ عشرة الماضية تشهد بوضوحٍ على براغماتيّة الرئيس بوتين في أسلوب تعاطيه مع القضايا والأزمات المعقّدة، فقد كان لافتًا للغاية أنّه شدّد خلال مؤتمره الصحافيّ الأخير على أنّ الباب ما زال مفتوحًا أمام دولٍ أخرى للانضمام إلى الجهود التي تبذلها موسكو وأنقرة وطهران من أجل إنهاء الأزمة في سوريا، ومن بينها الأردن والسعوديّة ومصر، مؤكِّدًا على ضرورة ضمان مشاركة هذه الدول وأخذ مصالحها في الاعتبار، وكذلك على أهميّة دور الولايات المتّحدة في التوصّل إلى التسويات المطلوبة.
براغماتيّةٌ.. لم تتوقّف تجلّياتها عند هذا الحدّ وحسب، بل وصلت أيضًا إلى ضرورة التأكيد على عدم وجوب الربط بين الإسلام والإرهاب من خلال استخدام مصطلح "الدولة الإسلاميّة" لدى الإشارة إلى تنظيم "داعش" الإرهابيّ، الأمر الذي دفع الصحافة الروسيّة إلى اعتبار أنّ ما جاء على لسان الرئيس بوتين بهذا الخصوص، يتضمّن إشارةً ضمنيّةً إلى إحدى الوصايا العشر التي أعطاها الربّ لموسى النبيّ، وهي: "لا تنطق باسم الربّ إلهك باطلًا، لأنَ الربّ لا يبرِّئ من نطق باسمه باطلًا".
ووفقًا لهذه الرؤية، وفي ظلّ اتّجاه الجهود الروسيّة – التركيّة – الإيرانيّة في الوقت الحاليّ صوب توفير الشروط اللازمة لوقف إطلاق النار على كامل الأراضي السوريّة، تمهيدًا لإطلاق المفاوضات حول التسوية السياسيّة المرتقَبة في أستانا، فإنّ الكرة أصبحت مرميّةً الآن في ملعب الأوروبيّين والخليجيّين أكثر من أيّ وقتٍ مضى لتحديد ما إذا كانوا يرغبون في حجز مقاعدهم في قطار هذه التسوية أم في مواصلة الوقوف كحجرِ عثرةٍ في طريقها.. وما عليهم في الوقت الراهن سوى إدراك الحقيقة الراسخة والقائلة بأنّ منظومة التحالفات الدوليّة والإقليميّة ماضيةٌ في التغيّر بسرعةٍ فائقةٍ، وعساهم يدركون.. ويتغيّرون!