ورد في صحيفة "الديار" أنه بعد الاعتداء الإرهابي على ملهى "رينا" في اسطنبول الذي أودى بحياة ثلاثة لبنانيين في ريعان العمر وإصابة آخرين عشية رأس السنة، وعكّر الأجواء في البلاد نظراً لمتابعة مجريات المجزرة من قبل اللبنانيين كافة، بات هاجس الهجمات الإرهابية مجدّداً يراود أذهان اللبنانيين خلال تنقّلاتهم. فهل لبنان مهدّد بمثل هذه العمليات أم أنّه بمنأى عنها في ظلّ العهد الرئاسي الجديد والتوافق السياسي بين مختلف المكوّنات السياسية؟
لا يزال لبنان يقع عند "خط الإرهاب"، تجيب أوساط سياسية عليمة، خصوصاً أنّ الحرب في سوريا لم تنتهِ بها، كما أنّ تداعياتها تُستكمل على دول الجوار ومنها لبنان، والإرهاب هو أول هذه التداعيات. فدول التحالف من جهة، ثمّ روسيا من جهة ثانية، لم تتمكّن من القضاء على الإرهابيين القابعين في العراق وسوريا، ويعيثون قتلاً وعنفاً في دول المنطقة. ولأنّ تهديدات هؤلاء لا تزال قائمة، لا بدّ من الحذر الدائم الى حين القضاء على وجودهم والخطر الناجم عنه.
غير أنّ الاوساط تطمئن الى جهوزية الأجهزة اللبنانية واستنفارها الفعلي عند أي معلومة عن عمليات يُخطّط لها، أو يتمّ تحضيرها للاعتداء على المواطنين الآمنين في المناطق اللبنانية أكانوا في أماكن الصلاة أم في المقاهي والملاهي الليلية. كذلك على اللبنانيين، بحسب رأيها، أن يتنبّهوا ويبلّغوا عن اي أمر مريب يحصل في محيطهم، لكي تتدخّل القوى الأمنية قبل فوات الأوان.
وترى الاوساط أنّ اعتداء اسطنبول الذي تُجري السلطات التركية التحقيقات بشأنه حالياً، قصد منفّذه من هجومه على ملهى "رينا" المذكور والمعروف باستضافته السيّاح بنسبة كبيرة، أن يؤذي أكبر عدد من الضحايا من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة، لكي يوتّر أكبر عدد ممكن من دول العالم عشية رأس السنة. ويرد تنظيم "داعش" الإرهابي بمثل هذا الإعتداء على كلّ المواقف التي صدرت أخيراً عن القضاء عليه ولا سيما تلك التي صدرت على لسان رئيس الولايات المتحدة المنتخب رونالد ترامب الذي توعّد بالقضاء على هذا التنظيم خلال عهده، من خلال إظهار قدرته على اختراق كلّ الإجراءات الأمنية المشدّدة وبواسطة شخص واحد، على ما ظهر حتى الآن.
وما يُحيّر العالم أنّ هذا التنظيم لا يتوقّف عن القيام بالإعتداءات الإرهابية في بلدان مختلفة تقول الاوساط، دون أن يخشى أي رادع أو أي جهة أمنية، الأمر الذي يُضعضع الأمن والاستقرار في الدول التي يضربها، ما يتطلّب وضع خطط دولية لإحباط كلّ المحاولات قبل تنفيذها. وذكرت أنّ الإستخبارات قادرة على كشف مخططاته، والدليل أنّ الإستخبارات الأميركية حذّرت اسطنبول، وتحديداً صاحب الملهى المذكور قبل عشرة أيّام من رأس السنّة بأنّه سيكون عرضة لاعتداء إرهابي، ما استدعى تعزيز هذا الأخير الإجراءات الأمنية حول ملهاه، على ما أعلن.
غير أنّ ما يحصل أنّ أحداً لا يأخذ التنبيهات الصادرة على لسان الإستخبارات على محمل الجدّ، فلو كانت الإجراءات الأمنية معزّزة بشكل جيّد جدّاً وملحوظ حول ملهى "رينا"، لما كان تجرّأ المعتدي على اقتحام المكان، أو لكان تمكّن أحد الحرّاس الأمنيين أو رجال الشرطة المفترض أنّهم منتشرون في محيطه من إطلاق الرصاص باتجاه الإرهابي الذي أنجز مهمّته خلال وقت من الزمن، وعلى مراحل من دون أن يُهاجمه أي كان.
فوجود الثغر الأمنية هو الذي يفسح في المجال أمام الإرهابيين لتنفيذ إعتداءاتهم، ثمّ الفرار والبقاء على قيد الحياة. وتميّز الأوساط هنا بين الإرهابي والإنتحاري، فالأول، بالإمكان الإنقضاض عليه وقتله من دون التسبّب بأذية الآخرين، في حين أنّ الإنتحاري الذي يضع غالباً حزاماً ناسفاً ويعمد الى تفجيره وسط مجموعة من الأشخاص، يصعب توقيفه إلاّ إذا تمكّن أحد ما من تعطيل حزامه قبل تفجيره، أو منعه من الضغط على زر التفجير. وفي حالة اعتداء إسطنبول فإنّ الإرهابي الذي أطلق النار من الكلاشينكوف لم يكن من الصعب على أحد رجال الشرطة أو الحرّاس الأقوياءالتصويب عليه من الخلف وإرداؤه قتيلاً، غير أنّ أحداً لم يفعل.
وفي رأي الاوساط، أنّ ثمّة نقاط ضعف ظهرت من قبل رجال الشرطة إن في اعتداءات باريس السابقة، أو الهجومات التي نُفّذت في تركيا وفي بروكسل وسواها، قد شجّعت الإرهابيين على القيام بالإعتداءات، ثمّ الهرب بدلاً من الإنتحار وسط الضحايا، وهذا الأمر يُقلق أكثر لأنّ المنفّذ يتوارى عن الأنظار لفترة، لكنّ خطره يبقى قائماً.
كذلك فإنّ المخططات الإرهابية غالباً ما تنجح عندما يكون الضحايا المقصودون بها غافلين عمّا يحيط بهم من مؤامرات. ولعلّ هذا ما يستدعي اجتماع دول مجلس الأمن ووضع خطة شاملة تقضي بتبادل المعلومات بهدف إحباط كلّ العمليات الإرهابية التي تجري في دول العالم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وبعض الدول الأوروبية.
وإذا كانت ثمّة مخاوف لدى المواطنين من عودة الإرهاب ليضرب لبنان، فإنّ الأوساط نفسها لا يُمكنها تأكيد أو نفي هذه العودة، لكنّها تُطمئن بأنّ الأجهزة الأمنية جاهزة وخصوصاً أنّ معلومات كثيرة تردها عن مخططات تُحضّر هنا وهناك، فتعمد الى إلقاء القبض على كلّ الذين هم مصدر شكوك، ما يحدّ بعض الشيء من توتير الوضع الأمني. وفي رأيها، إنّ القوى الأمنية في لبنان تُظهر بسالة فائقة في القضاء على الإرهاب، إن كان في عرسال، أو القاع وسواهما، ما يجعل الإرهابيين يتراجعون قبل التفكير في شنّ أي هجوم على المدنيين الأبرياء.
غير أنّ الحذر مطلوب في المرحلة الراهنة، من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن في البلاد، على ما عقّبت الاوساط، في الوقت الذي بدأت فيه حكومة الرئيس سعد الحريري أولى اجتماعاتها واتخذت قرارات مهمّة لبدء عملها الفعلي في معالجة ملفّات كثيرة ملحّة تقود البلاد الى الازدهار الاقتصادي والمالي والمعيشي. ولا بدّ بالتالي من أن يترافق الهدوء الأمني في البلاد مع سعي السياسيين الى وضع قانون جديد للانتخاب تجري الانتخابات النيابية المقبلة على أساسه.
(الديار)