نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرًا عن السياسة الأميركية في سوريا، وأجرت مقابلةً مع رجل يدعى "أبو أحمد"، كان ضابطًا في الجيش السوري ثمّ انشقّ وعمل مع المجموعات المقاتلة في شمال سوريا، قبل أن يصبح رجل الإستخبارات الأميركية "CIA" الأوّل في سوريا.
عرّفت الصحيفة عن "أبو أحمد" بأنّه كان مشغلاً سريًا، وهو الآن رجل ضخم، يعرج قليلاً بسبب إصابته في إحدى الغارات، ويسكن في جنوب تركيا، بعدما رفضت كلّ من ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية استقباله بالرغم من تاريخه الإستخباراتي مع الـCIA.
الصحيفة لفتت إلى أنّ قادة في المعارضة السورية كانوا يلجأون اليه للحصول على مساعدة، وضباط إستخبارات غربيين يسألونه عن آرائه في بعض القضايا، كان يذهب الى سوريا حاملاً معه أكياسَا مليئة بالدولارات لاعطائها للمقاتلين، الذي يسمّونه رجل الإستخبارات الأميركية في سوريا. ويقول أحد قادة المعارضة للصحيفة: "إذا أردت أمرًا من أوباما، إتصل بأبو أحمد"، وإذا أراد أحد أعضاء المعارضة لقاء مسؤولين أميركيين يذهبون الى هذا الرجل. كما يصفه البعض بالمتشدد العلماني، لأنّه كان قاسيًا بالردّ على الإسلاميين الفاسدين.
ظلّ "أبو أحمد" يعمل لمدة عامين مع الـCIA ويتدخّل بكل شيء لصالح هذه الوكالة، كما يوزّع أسلحة ويخطط لعمليات عسكرية في سوريا.
قصّته تلقي الضوء بشكل نادر على كيفية عمل الـCIA في السياسة السورية، حيثُ كشف الرجل تفاصيل عن أنّ واشنطن كانت تعمل باتجاهين مختلفين في سوريا، وقال إنّ "التنافس بين بعض الدول في مقدّمتها الولايات المتحدة أنتج فوضى في البلاد".
6 سنوات من استعار الحرب السورية، وانتقال النزاع من الشارع إلى حرب أهليّة، كلّها عوامل أدّت الى تغيير المنطقة والعالم، بحسب الصحيفة التي قالت إنّ 4 من الـ5 دول الدائمة العضوية في مجلس الأمن شاركت في القصف في سوريا، وأنفقت القوى الإقليمية بينها إيران والسعودية مليارات الدولارات على ما بات يسمّى "حربًا بالإنابة"، في الوقت الذي يستغلّ "داعش" الفوضى لتصدير العنف حول العالم، أمّا الرئيس الأميركي دونالد ترامب فبات يصف الصراع السوري وكأنّه انشطار أو حرب ثنائية بين الرئيس السوري بشار الأسد وداعش.
عام 2013، إنضمّ "أبو أحمد"الى برنامج لـCIA، لنقل أسلحة وأموال لمسلحين معتدلين، وأقرّ بالقول: "كنت أحرص على علاقة جيدة بالأميركيين، أعطونا أسلحة ونقلتها الى سوريا، الحقيقة أنّ تركيا لم تكن تحب الأميركيين والعكس كذلك، كُنت أعتقد أنّ أميركا تحكم الكون.. لكنني لم أكن على صواب".
ولفت إلى أنّ الإنطباعات الجيدة حول واشنطن في سوريا باتت قليلة جدًا، خصوصًا بعد سقوط آخر معقل للمعارضة السورية في حلب في أواخر 2016، موضحًا أنّ انتصار الأسد والروس لم يكن مأساة إنسانية للمدنيين الذين قصفت منازلهم، بل كان دليلاً قاطعًا على تراجع التأثير الأميركي في المنطقة، حتى أنّ الجهود الروسية التركية لإنهاء الحرب السورية حيّدت واشنطن.
عام 2012، أصيب أبو أحمد خلال غارة، واستفاق في المستشفى وفي رجله وضع الأطباء قضيبًا معدنيًا، ويعتبر أنّ الفساد اعترى عددًا من المجموعات المقاتلة، وقال: "كنا أغبياء كنت غبيًا ويهز رأسه. كنت أعتقد أنّ النظام سيسقط، وعدنا بعد سنوات الى حيث بدأنا. عندما تعافيت وجدت أنّ تنظيمي داعش والنصرة ينتشران، ولديهما مخططات كبيرة". وكشف "أبو أحمد" أنّه هو الذي نسّق بين السعوديين والمعارضة حيث تمكن المسلّحين من دفع "داعش" من شمال إدلب في أوائل 2014.
وعن عمله مع الإستخبارات الأميركية، قال إنّه تلقى إتصالاً من مخبرين مع الإستخبارات الأميركية في أضنا، كانوا جيدين معه ويعرفون عنه كلّ شيء، وبعد حين طلب منه الأميركيون أن يصبح مستشارًا مقابل ألف دولار شهريًا، وبات يعرف بين السوريين بأنّه الشخص الذي يرتّب الاجتماعات.
وبحسب ما نقلت الصحيفة، فقد دعا الأميركيون "أبو أحمد" للإنضمام الى غرفة عمليات سريّة أنشأوها مع حلفائهم وقد ضمّت ممثلين من بريطانيا، فرنسا، الأردن، قطر، السعودية وتركيا لدعم المعارضة المعتدلة، وفي فيلا تقع جنوب تركيا التقى قادة المسلحين بضبّاط استخبارات حول طاولة بيضاويّة لاقتراح مخططات للقتال في سوريا.
"أبو أحمد" الذي أكّد مصدر في CIA للصحيفة أنّه عمل مع الوكالة روى أنّه تمّ الإتفاق على أن يتلقى المقاتل المعتدل 150 دولار شهريًا، أمّا القائد فعلى 300 دولار "لم يخبرونا الى أين علينا الذهاب وضعونا في سيارات مع عصبات على أعيننا، كأننا في فيلم عن جواسيس".
ولفت إلى أنّه سئم تنفيذ الأوامر والمخططات، ثمّ بدأت الإنقسام الأسوأ تحصل بين واشنطن وأنقرة، وزادت التوترات بعدما سيطر داعش على الموصل في حزيران 2014، حين بدأت واشنطن حينذاك بحملة جوية ضد داعش لحماية قوات الشعب الكردية، بدلاً من المعارضة. "أبو أحمد" انضمّ أيضًا الى الجبهة الشامية واتهم فيما بعد بالتآمر ومساعدة الـCIA على محاولات اغتيال بعض قادة "النصرة".
في صيف 2015، أطلقت الولايات المتحدة برنامجَا لتدريب وتسليح القوات المعارضة وبلغت كلفته 500 مليون دولار، وقال "أبو أحمد" تعليقًا على الدعم الأميركي للأكراد من جهة وللمعارضة المعتدلة من جهة أخرى "صدمت فعلاً، باتوا يعملون باتجاهين مختلفين تمامًا، وسألت ديبلوماسيين غربيين عن النظام السياسي الأميركي."
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين سابقين إعرابهم عن أنّهم كانوا يخشون دائمًا من القيام بمهام خاصّة في سوريا.
(FT - لبنان 24)