تحت عنوان "هل يدفع حزب الله ثمن قرارات ترامب؟" كتبت دوللي بشعلاني في صحيفة "الديار": هل يدفع لبنان في المرحلة المقبلة ثمن قرارات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، فيما خصّ أولاً توعّده بمحاربة تنظيم "داعش" والقضاء عليه، وثانياً في قراره تشديد العقوبات على إيران وعبرها على "حزب الله"، وثالثاً قراره الصادم بنقل السفارة الأميركية من تلّ أبيب الى القدس، ما قد ينسف حلّ إقامة الدولتين جنباً الى جنب وحقّ عودة الفلسطينيين الى ديارهم، وإعادة السلام الى منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن قراره المتعلّق بالهجرة والذي علّق القضاء الأميركي العمل به، وإن كان لم يشمل لبنان؟!
منذ اليوم الأول لانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، تفاءل قسم كبير من اللبنانيين المقيمين في أميركا، وكذلك في لبنان بوصوله الى البيت الأبيض، رغم سمعته السيئة، علّه يغيّر في السياسات الأميركية التي لم تخدم دول المنطقة طوال العقود الأخيرة، ولم تصل الى أي حلول للأزمات فيها، ولا سيما الصراع العربي- الإسرائيلي. غير أنّ بدء اتخاذ القرارات الإعتباطية من قبل ترامب، أثار مخاوف كثيرة لدى بعض المراقبين السياسيين لجهة تعاطيه المستقبلي مع دول المنطقة.
وغرّد ترامب في اليوم التالي لانتخابه بأنّه لن يُبقي الإتفاق النووي القائم بين إيران ومجموعة الخمس زائد واحد (وعلى رأسها الولايات المتحدة) على ما هو عليه، مشيراً الى إمكانية إدخال بعض التعديلات عليه، كما الى التشدّد في تطبيقه عن طريق تكثيف عمليات المراقبة للمفاعل النووية. ثمّ اتخذت الخزانة الأميركية بعد ذلك رزمة من العقوبات الجديدة على إيران، كما على عناصر في "حزب الله"، بهدف تحجيم دور إيران في المنطقة، إرضاء لإسرائيل من جهة، ولدول الخليج من جهة ثانية. ما يعني، بحسب أوساط ديبلوماسية متابعة، أنّ أمراً لم يتغيّر بالنسبة للإدارة الأميركية السابقة، على العكس تماماً فقد خرج الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من البيت الأبيض مسروراً بما أنجزه من الإتفاق النووي مع إيران رغم معارضة إسرائيل له وسعيها لعدم توقيعه من قبل الجانب الغربي.
فقد اعترف أوباما بدور إيران من خلال توقيع الإتفاق النووي معها، في حين أن ترامب يودّ اليوم إظهار أنّ أميركا هي الدولة الوحيدة القوية في العالم، وكأنّه بذلك يريد إعادتها الى الآحادية خدمة لمصالح حلفائه في المنطقة، وهذا ما يُخشى منه لا سيما إذا ما قرّر تحجيم إيران، كما دور "حزب الله" في لبنان المدرج أساساً على اللائحة السوداء الأميركية.
وعن توعّد ترامب بالقضاء على تنظيم "داعش"، فتقول بأنّه سبق لأوباما أن أنشأ "تحالفاً دولياً" ضمّ 60 دولة لهذه الغاية، وتحدّث عن إنفاقه للكثير من المبالغ الطائلة، وعن خطط عسكرية وطائرات حربية وعمليات لضرب مواقع التنظيم في كلّ من سوريا والعراق، إلاّ أنّه لم ينجح في هذه المهمّة. فهل سيتمكّن ترامب من إنجازها، على ما تساءلت، وإذا فعل أين سيذهب عناصر "داعش" الذين سيبقون على قيد الحياة، وسيفرّون من الضربات الجوية؟ ألن يكون لبنان الملجأ الأقرب لهم للإختباء به، على ما يفعل عدد منهم اليوم في كلّ من المناطق الحدودية وفي بعض المخيمات الفلسطينية والسورية القائمة داخل البلاد؟ وبماذا ستنفعنا خطط ترامب الجديدة تجاه "داعش" ومحاربته والقضاء عليه، إذا لم تكن مدروسة ومتفق عليها مع الدول الداعمة له في المنطقة والعالم؟!
وماذا عن قرار ترامب الجدّي بنقل السفارة الأميركية من تلّ أبيب الى القدس، ألا ينسف هذا الأخير مسألة حلّ الدولتين جنباً الى جنب الذي توصّلت اليه بلاده بعد جهد جهيد ومفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني؟ وما الغاية من القيام بهذا الأمر من دون دراسة نتائجه على الداخل الفلسطيني من جهة الذي لا يزال يعاني من الإستيطان وبناء الوحدات السكنية على الأراضي الفلسطينية من دون أي إدانة دولية له، وعلى دول الجوار من جهة ثانية، لا سيما لبنان الذي يستضيف أكثر من 500 لاجئ فلسطيني على أرضه، لا يُمكن لأحد أن يتوقّع كيف ستكون ردّة فعلهم، على اعتبار القدس عاصمة إسرائيل في قرار مجحف كالذي أعلنه ترامب من دون أي خشية، في الوقت الذي ينادي به الفلسطينيون بالقدس عاصمة أبدية لفلسطين؟!
وعن تحييد ترامب لبنان عن القرار الذي اتخذه عن حظر سفر مواطني سبع دول ذات الغالبية المسلمة الى الولايات المتحدة الأميركية وهي سوريا والعراق وإيران وليبيا والسودان والصومال واليمن بهدف التقليص من عدد الإرهابيين الذين قد يدخلون الولايات الأميركية عبر مطاراتها، علماً أنّ القضاء الاميركي علّق العمل به، ولا يزال ترامب يدرس الخيارات لإعادة إطلاق هذا المرسوم المتعلّق بالهجرة، أوضحت الأوساط نفسها "صحيح أنّ لبنان هو بلد عربي لكنّه ليس ذات غالبية إسلامية بل يُعتبر نموذج للعيش المشترك في المنطقة ولهذا لم يُفكّر ترامب في إدراجه في قراره هذا. كذلك قد يكون أخذ بالإعتبار أنّ ثلاثة من مساعديه هم من أصول لبنانية، ما جعلهم على الأرجح، يشرحون له الوضع الإستثنائي الذي يتمتّع به لبنان دون سائر دول منطقة الشرق الأوسط. غير أنّ أحداً لا يستطيع أن يجزم إذا ما كان سيُدرج لبنان في اللائحة الثانية التي تتحدّث المعلومات أنّ ترامب ينوي وضعها من ضمن الخيارات التي يدرسها، وقد يُعلّل ذلك بأنّ "حزب الله" هو منظمة إرهابية مدرجة على اللائحة السوداء، كما على لائحة الإرهاب الأوروبية ولهذا لا بدّ من العمل على وقف مخططاتها التي تخدم إيران.
فإذا كانت إسرائيل تكره إيران التي تُهدّدها بمحوها من الوجود، إلاّ أنّ هدفها الأولي حالياً هو شنّ حرب جديدة على "حزب الله" في لبنان تخرج منها منتصرة، على عكس ما حصل معها في حرب تموز- آب 2006. وتكشف بعض المعلومات عن احتمال كبير أن تُشارك الولايات المتحدة التي ترفع شعار "محاربة داعش والقضاء عليه نهائياً"، إسرائيل في ضرب "حزب الله"، ولكن هذه المرّة في سوريا وليس في لبنان، حيث تقوم عناصره بمساندة جيش النظام في المعارك الدائرة هناك، بهدف إجباره على الإنسحاب من الحرب ومحاصرته في مناطق آمنة على الحدود العراقية لقطع صلة الوصل بينه وبين إيران وسوريا.
لكنّ هذا السيناريو من الصعب أن يتحقّق، بحسب رأيها، لا سيما وأنّ "حزب الله" لم يتدخّل بجميع عناصره في المعارك السورية، كما أنّ قطع علاقته مع حلفائه لا تكون بالقضاء على عناصره، في حال تمكّنت من القيام بذلك. كذلك فإنّ حلفاءه لن يقفوا متفرّجين على المخطط الأميركي- الإسرائيلي، بل سيقومون بإحباطه بكلّ ما أوتيوا من قوّة. ولهذا على ترامب إعادة النظر بقراراته الأخيرة، وأن يحسب حساباً لـ "خط الرجعة"، وإن كانت تجمع بين بلاده والمملكة العربية السعودية علاقات تاريخية- استراتيجية.
(دوللي بشعلاني - الديار)