"النزوح"، مصطلح بات يجري على ألسنة ومسامع المصريين وفي وسائل الإعلام بالفترة الأخيرة، فلسنوات طويلة لم يعتد المصريون هذه الكلمة ولم يعيشوا مرارة التهجير القسري الذي يعانيه بعضهم الآن.
تأتي موجات النزوح والتهجير القسري الذي اضطر إليه مواطنون مصريون مسيحيون، من مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء إلى محافظة الإسماعيلية، عقب عدة حوادث وقعت خلال الأسابيع الأخيرة كان آخرها الخميس الماضي، على يد مجهولين، وأدت إلى مقتل ستة أشخاص، بالتزامن مع تسجيل مصور بثه تنظيم داعش، الأحد 19 شباط الحالي، يتوعد باستهداف المسيحيين المصريين.
وبحسب تصريحات صادرة من الكنيسة الأرثوذكسية، يزيد عدد الأسر التي نزحت خلال الثلاثة أيام الماضية على 103 أُسر، ويقترب عددهم من 350 فرداً، كما فتحت الكنيسة الإنجيلية بالإسماعيلية أبوابها أمام المسيحيين النازحين وقامت بإيوائهم وتقديم الرعاية لهم.
من جانبه، أمر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بتقديم المساعدة اللازمة للنازحين، وذلك في اجتماع عقده السبت الماضي مع عدد من الوزراء ومسؤولين أمنيين.
ونص البيان الذي أصدرته الرئاسة المصرية على أن "الاجتماع ناقش آخر التطورات الخاصة باستهداف المواطنين الأبرياء في منطقة شمال سيناء من قِبل التنظيمات الإرهابية؛ ما أدى إلى انتقال عدد من أسر المواطنين الأقباط إلى محافظة الإسماعيلية، حيث تم استقبالهم وإسكانهم لحين الانتهاء من التعامل مع العناصر الإرهابية".
وسبق اجتماع السيسي مع وزرائه زيارةٌ لوزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، لمقر إقامة عدد من الأسر المسيحية النازحة بالإسماعيلية، أكدت فيها أن مجلس الوزراء شكّل غرفة عمليات بالتنسيق مع الكنائس المصرية لحل أزمة المهجَّرين من سيناء، ووجهت حديثها للأسر المسيحية قائلة: "اعتبروا نفسكم فى رحلة للإسماعيلية".
قمة الفشل
الناشط السياسي ممدوح حمزة، أكد أن ما يحدث للمصريين من تهجير ونزوح في سيناء هو نتيجة واضحة وصريحة لفشل الحكومة في التعامل مع ملف سيناء.
وقال إن "ما يحدث في سيناء هو قمة الفشل للحكومة المصرية، فسيناء أصبحت كلها تحت سيطرة داعش".
وتابع حمزة: "منذ أن كان عبد الفتاح السيسي لواء في الجيش وصعوده في المناصب حتى صار وزيراً للدفاع ثم رئيساً للجمهورية والوضع في سيناء ينحدر للأسوأ".
وشدد على أنه كان على الحكومة في الدقائق الأولى من بداية النزوح أن تفتح لهم أماكن للإيواء ومقرات للسكن في المدن الجديدة والمشروعات السكنية التي أنشأتها ولا تتركهم للجوء إلى الكنائس.
مرحلة اللادولة
من جانبه، قال عضو المكتب السياسي لحركة "6 أبريل" محمد مصطفى، إن مصر تعيش الآن مرحلة اللادولة، وأنه لا يوجد بها حكومة أو نظام يسعى لتحقيق الأمان للمصريين، على حد قوله.
وأشار إلى أن "ما يحدث للأقباط المصريين في مدينة العريش من نزوح وتهجير قسري حدث قبل ذلك لأسر بمدينة رفح، ولم يأخذ ما تعرضوا له تلك الضجة الإعلامية التي يتعرض لها أهالي العريش".
وشدد مصطفى على أن النظام المصري يسلك أقصر الطرق لمواجهة الأزمة وهو تهجير المواطنين وليس أخذ حقوقهم، متسائلاً: "مَن المسيطر في سيناء الآن؛ هل هو الجيش الذي يعلن انتصارات يومية أم داعش التي تتحرك بكل قوة على الأرض؟".
ولفت إلى أن "النظام، بعمليات التهجير والنزوح تلك، يُرسل رسالة إلى المصريين أنه لا يستطيع حمايتهم ولا حتى حماية نفسه"، مشدداً على أن "ما يحدث في سيناء الآن يعجز عقل المصريين عن وصفه".
وأردف مصطفى: "وضْعنا الآن مُبهم والمستقبل غامض، وبتلك الأوضاع مصر ليست أفضل من سوريا والعراق".
وتساءل عضو المكتب السياسي لحركة 6 أبريل: "هل الجيش المصري في سيناء غير قادر على حماية نفسه والمواطنين حقاً أم أن عمليات النزوح مدبرة لإنشاء دولة فلسطينية في سيناء وغزة، ودولة إسرائيلية على أراضي فلسطين المحتلة؟".
كما ذهب لتأكيد أن "المصريين يعيشون في ضبابية، ولا توجد معلومات دقيقة عن عدد الأسر التي نزحت وعن كيفية تعويضهم عن تلك الأزمة التي لحقت بهم؟".
وتابع مصطفى: "ما يحدث للأسر المصرية مستفز ومؤلم، وما يعلنه الجيش والنظام المصري من انتصارات قام بها على مدار السنوات الأربع الأخيرة كذبة كبيرة صدقها المصريون"، حسب وصفه.
مخطط لإفراغ سيناء
في السياق ذاته، ذهب مدير الأكاديمية الدولية للدراسات والتنمية، ممدوح المنير، للقول: "سيناء من وجهة نظري، هي أحد الأهداف الاستراتيجية لبقاء السيسي في منصبه حتى الآن".
ولمّح إلى أن "الوضع المتدهور في سيناء ليس دليل فشل؛ بل هو هدف يحرص عليه السيسي خدمةً للكيان الصهيوني؛ فعمليات القتل خارج القانون والتهجير وهدم المنازل وغيرها، تهدف إلى تفريغ سيناء من أهلها ثم وجود حماية دولية بها، ثم توطين الفلسطينيين، ثم تقرير المصير بعد إشعال الحرب الأهلية".
وتابع المنير: "هذه هي الخطوات التي يسير عليها السيسي، وموضوع نزوح الأقباط مصطنع، وهدفه جلي وهو الحماية الدولية لمصر وتفريغ العريش كما فعلوا برفح المصرية التي أزالوها من الوجود".
ووصف مدير الأكاديمية الدولية للدراسات والتنمية الحكومة المصرية بأنها "طقم سكرتارية بالغ السوء للسيسي، وأن سيناء تدار من قِبل الجيش وليس الحكومة".
غياب الأمن
منظمة سيناء لحقوق الإنسان، أكدت أن هناك غياباً لدور الأمن في الحفاظ على حياة وممتلكات المسيحيين بسيناء.
وطالبت المنظمة، في بيان، السلطات المصرية بتحمل مسؤوليتها تجاه ما يجري في مدينة العريش من استهداف للأقباط وفتح تحقيق عاجل حول الأحداث وتوفير حماية لهم بالمدينة.
كما شددت على ضرورة التحقيق في مقتل سبعة أقباط بسيناء بعد استهدافهم من قِبل مجهولين خلال شهر شباط الحالي.
(الخليج اونلاين)