يعتقد مسؤولون أميركيون وعراقيون أن زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي ترك معركة الموصل لقادة العمليات وأتباعه المخلصين وأنه يختبئ الآن في الصحراء حيث يتركز اهتمامه على بقائه على قيد الحياة.
غير أن مصادر استخبارات أميركية وعراقية تقول، بحسب "رويترز" إن غياب أي بيانات رسمية من قيادة التنظيم وفقدان السيطرة على مناطق بمدينة الموصل يوحي بأنه هجر المدينة التي تعد أكبر مركز سكاني خضع لسيطرة التنظيم.
وقد ثبت أن البغدادي مراوغ جداً فهو نادراً ما يستخدم وسيلة اتصال يمكن مراقبتها، وتقول المصادر إنه يتنقل باستمرار وفي كثير من الأحيان أكثر من مرة خلال اليوم الواحد.
وتضيف المصادر أنها تعتقد من خلال الجهود المبذولة لاقتفاء أثره أنه يختبئ في الغالب بين مدنيين من المتعاطفين معه في قرى صحراوية مألوفة له، لا بين المقاتلين في ثكناتهم في المناطق الحضرية التي يدور فيها القتال.
معزول
وكان التنظيم يحكم في ذروة قوته قبل عامين أكثر من مليوني شخص في المناطق الخاضعة له في شمال سوريا وعبر مدن وقرى على امتداد واديي نهر دجلة ونهر الفرات حتى مشارف العاصمة العراقية بغداد. وبدأت القوات العراقية التي تدعمها الولايات المتحدة عملية قبل خمسة أشهر لاستعادة السيطرة على الموصل التي يزيد حجمها أربع مرات على الأقل على أي مدينة أخرى خضعت لسيطرة التنظيم.
وتعد هذه العملية أكبر معركة يشهدها العراق منذ اجتياح القوات الأميركية له عام 2003 وقد سارت ببطء لأسباب منها بقاء مئات الألوف من السكان المدنيين معرضين للأذى.
واستطاعت القوة العراقية المؤلفة من 100 ألف مقاتل انتزاع السيطرة الكاملة على الشطر الشرقي من الموصل في كانون الثاني وبدأ القادة الشهر الماضي تنفيذ عملية لعبور نهر دجلة والسيطرة على الشطر الغربي. وحققت القوات العراقية تقدما مطردا ويقول التحالف الآن إن النصر محتوم ما سيؤدي إلى القضاء على "دولة الخلافة" في العراق.
وتشير مصادر المخابرات إلى انخفاض حاد فيما ينشره تنظيم "داعش" على وسائل التواصل الاجتماعي باعتباره دليلا على أن البغدادي وحاشيته يزدادون عزلة.
ولم يصدر البغدادي نفسه رسالة مسجلة منذ أوائل تشرين الثاني بعد أسبوعين من بداية معركة الموصل عندما دعا أنصاره لقتال "الكفار" وإراقة دمائهم أنهارا.
ومنذ ذلك الحين تتحدث بيانات متفرقة من التنظيم عن هجمات يشنها مفجرون انتحاريون في مواقع مختلفة بالعراق وسوريا لكنها لا تعلق أهمية خاصة على الموصل رغم كون المدينة الساحة الرئيسية للقتال.
ولم يصدر عن البغدادي أو أي من مساعديه المقربين تعليق على سقوط الشطر الشرقي من المدينة في كانون الثاني.
وقد تراجع تدريجيا وجود التنظيم على شبكة "تلغرام" للتواصل الاجتماعي بعد أن أصبحت الشبكة منصته الرئيسية لإطلاق البيانات والخطب.
ويقدر التحالف أن نشاط التنظيم على "تويتر" تقلص بنسبة 45 في المئة منذ 2014 مع تجميد حساباته التي يبلغ عددها 360 ألفا حتى الآن وإغلاق الحسابات الجديدة خلال يومين في العادة.
"اللعبة انشكفت"
فيما يتوقع أن يكون نصراً رمزياً كبيراً للقوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة أصبحت هذه القوات تقترب الآن من المنطقة التي يقع فيها المسجد الكبير على الضفة الغربية لنهر دجلة الذي أعلن البغدادي من على منبره قيام دولة الخلافة.
ويقول هشام الهاشمي مؤلف كتاب "عالم داعش" الذي صدر بالانجليزية وهو من مستشاري الحكومة العراقية إن أكثر من نصف الستة آلاف من مقاتلي التنظيم الذين تركوا للدفاع عن المدينة قتلوا.
ويبدي القادة الأميركيون تفاؤلهم ويقولون إن معركة تحرير المدينة أصبحت الآن في مرحلة متقدمة.
وفي هذا السياق، قال البريجادير جنرال ماثيو آيلر من سلاح الجو الأميركي لـ"رويترز" في مطار غرب القيارة جنوبي الموصل "انكشفت اللعبة" وأضاف أن بعض مقاتلي التنظيم من الأجانب يحاولون مغادرة المدينة. وقال إن من تركوا لمواصلة القتال وأغلبهم من العراقيين يبدون "مقاومة عنيفة للغاية" على المستوى التكتيكي لكنهم لا يشكلون الآن قوة متكاملة إذ دمرت ضربات التحالف الجوية مراكز القيادة والسيطرة والسيارات الملغومة ومخابئ الأسلحة.
وسينتهي وجود دولة الخلافة ككيان دولة بسقوط الرقة التي تعد العاصمة الفعلية للتنظيم في سوريا ربما في وقت لاحق من العام الجاري.
ومدينة الرقة أصغر كثيرا من الموصل غير أن شن عمليات عسكرية تستهدف التنظيم في سوريا أكثر صعوبة منه في العراق لأن أعداء التنظيم الكثيرين في سوريا انشغلوا بقتال بعضهم بعضا في حرب أهلية منذ عام 2011.
ومع ذلك واجه التنظيم انتكاسات في سوريا خلال العام الأخير في مواجهة خصومه الثلاثة الرئيسيين الفصائل المسلحة العربية والكردية المدعومة من الولايات المتحدة والجيش السوري الذي تدعمه روسيا والمعارضة السورية التي تدعمها تركيا.
وقال الميجر جنرال روبرت جونز نائب قائد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم "إن حتمية تدميرهم أصبحت في الواقع مسألة وقت"، وأضاف أن قيادة التنظيم تركز الآن على البقاء في الأساس.
وكان آخر تقرير رسمي عن البغدادي من الجيش العراقي في 13 شباط عندما قال الجيش إن طائراته الحربية من طراز إف-16 نفذت غارة على منزل من المعتقد أنه كان يجتمع فيه مع قادة آخرين في غرب العراق قرب الحدود السورية.
وقد شكلت الحكومة الأميركية قوة مشتركة لاقتفاء أثر البغدادي تضم أفرادا من قوات العمليات الخاصة ووكالة المخابرات المركزية وغيرها من وكالات المخابرات الأميركية بالإضافة إلى الاستعانة بأقمار تجسس.
غير أن مصادر مخابرات أميركية تقول إن البغدادي وعى فيما يبدو الدرس من عملية قتل أسامة بن لادن عام 2011 وأصبح يعتمد على نقل الرسائل باستخدام عدة مبعوثين لا مبعوثا واحدا على عكس ما كان يفعله بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة.
كما أنه يبدل السيارات خلال رحلاته وهو درس تعلمه من الهجوم الذي وقع بطائرة بلا طيار عام 2011 وقتل فيه أنور العولقي أحد قيادات التنظيم في اليمن.
(رويترز)