ورد في صحيفة "الديار" أن تأكيد رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري في جلسة الحكومة بالامس، التزام لبنان بمقتضيات القرار1701، يأتي في سياق مواجهة "موجة" من الضغط الدبلوماسي العربي والغربي على العهد، لدفعه الى عدم "المغالاة" في دعمه لحزب الله بعد تصريحات الرئيس الاخيرة، لكن تجديد الالتزام الرسمي، بفعل نصائح اوروبية، من على منبر جلسة حكومية عقدت في القصر الرئاسي، لن ينهي حملة الضغوط التي تستهدف تطويع الموقف اللبناني الرسمي قبيل القمة العربية المزمع عقدها في نهاية الجاري في عمان، ولن توقف عملية "الابتزاز" السعودية المستمرة عبر "ضخ" اعلامي وسياسي يستهدف تحميل الرئيس عون مسؤولية اعادة العلاقات مع دول الخليج الى "نقطة" الصفر، والايهام بتسببه بالغاء زيارة ملكية لم تكن موجودة اصلا، ووقف مساعدات لم تقر، فهذه الحملة المنسقة تستهدف ابقاء حزب الله تحت الضغط، واستدراج العهد الجديد الى سياسة "النأي" بالنفس، فيما ينتظر البلاد استحقاقان امنيان يحتاجان الى متابعة وحسم قبل فوات الاوان...
أوساط دبلوماسية في بيروت تحدثت عن نصائح خليجية قدمت للسلطات اللبنانية بعدم الرهان على "انقلاب" موازين القوى في سوريا لصالح النظام وحلفائه، وباعتقاد هؤلاء لن تستطيع دمشق العودة الى دورها المحوري في دول محور "الممانعة"، بفعل التأثير الروسي على القرار في دمشق، وثمة محطة شديدة الاهمية يراهن عليها "خصوم" حزب الله وايران في المنطقة، وهي ترتبط بزيارة مرتقبة لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو الى موسكو، الرهانات قائمة على صياغة جديدة للتفاهمات مع روسيا مما سيسمح لاسرائيل بتوسيع دائرة توجيه ضربات جوية وصاروخية في العمق السوري، وصولا الى ما يسمى "بالمطاردة الحارة" داخل الاراضي اللبنانية، وهذا ما يشرع استهداف قيادات ومستودعات وقوافل السلاح المرسلة الى حزب الله. الطموح الاسرائيلي - العربي يصل الى حدود تعميق دائرة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع موسكو لتأمين عملية رصد اكثر دقة للاسلحة المنقولة للمقاومة في لبنان... وثمة حديث عن مقايضة سيحملها نتانياهو معه الى الكرملين تتعلق بموافقة اسرائيل على بقاء الرئيس الاسد في منصبه مقابل تقليص النفوذ الايراني في سوريا، واستتباعا خروج حزب الله في اقرب فرصة ممكنة من الميدان السوري، "لكسر" استراتيجية الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله القائمة على توسيع وتوحيد الجبهات، انطلاقا من "الهندسة" الامنية والعسكرية التي نجح مقاتلو الحزب في اقامتها على طول جبهة الجولان...كما تربط الرياض بين القبول بعودة سوريا الى الجامعة العربية بحصول تحول في الموقف السوري من ايران وحزب الله...
هذه "المعادلات" الجديدة لا توافق عليها اوساط مقربة من دمشق زارت العاصمة السورية أخيرا، لان روسيا غير قادرة على تجاوز الحضور الايراني الذي يشكل حزب الله جزءا منه في سوريا، ودون طهران ما كان لموسكو ان تجد ارضية جاهزة للتعامل مع الجغرافيا السورية المعقدة، ايجابية الايرانيين سهلت على روسيا تجاوز الكثير من المطبات، لا احد يستطيع الحديث عن تقليص النفوذ الايراني في سوريا، ولن تحصل اي تسوية على حساب الايرانيين وحزب الله، الاتصالات بين موسكو وطهران لا تزال مستمرة والتنسيق على اعلى مستوياته، كل طرف يعرف حدود دوره ولا يتجاوزه، العلاقة ان لم تحكمها الثقة العمياء، فان ما يحكمها ادراك كل طرف لقدرة الطرف الاخر على «قلب الطاولة» على الارض، واي تسوية في سوريا لن تحصل الا بمراعاة مصالح مختلف اللاعبين الكبار، وايران جزء اساسي منهم...
وبحسب المعلومات، فان دور حزب الله تعزز في سوريا خلال الاسابيع والاشهر الماضية، وتوسع نشاط الحزب في اكثر من محور قتالي، ولم يتقلص، وكان آخرها العملية العسكرية في تدمر، حيث شارك مقاتلو الحزب بفعالية ومنعوا سقوط مطار "تي 4" قبل ان يتم اتخاذه قاعدة انطلاق قتالية لاستعادة المدينة وحقول النفط، وذلك بالتنسيق الكامل مع القوات الروسية... ولذلك فان اي حديث عن خلافات روسية ـ إيرانية في سوريا، وعن محاولات روسية لتقليص دور حزب الله على بعض الجبهات والمحاور، كلام عار من الصحة وغير جدي، وموسكو لا يمكنها تقديم اي التزام بسحب حزب الله من سوريا، وسيكون الحزب حيث يجب ان يكون طالما ان هزيمة الارهاب لم تتحقق بعد...
وهذا الامر تدركه الرئاسة الاولى ولديها المعطيات الكاملة بشأنها، وهي تدرك ان من يبحث عن تبدل في موقف دمشق عبر ابتزازها بمقايضة عودتها الى الجامعة العربية بالابتعاد عن "المحور الايراني" في المنطقة، واهم، لان الدولة السورية التي لم تقايض في اكثر الاوقات حراجة وضعفا، لن تقبل ان تخلع "جلدها" كرمى لعيون منظومة عربية متهالكة لم تعد مجدية، ولن تتخلى دمشق عن الذين لم يتخلوا عنها في وقت الشدة، ولن تقدم على خيانتهم مع الذين تآمروا عليها... ولذلك سيبقى الرئيس ملتزما بقناعاته، مع الاخذ بعين الاعتبار "الحساسيات" العربية والخليجية...
طبعا هذه المراعاة مطلوبة ايضا من الطرف الاخر الذي يفرض على لبنان تحد من نوع آخر من خلال دعم نشاط القيادي "الفتحاوي" المنشق محمد دحلان، الذي يشكل نقطة التقاء لاكثر من جهاز استخبارات دولي واقليمي، فدحلان بصدد الاعداد لمؤتمر عام لحركته لتشكيل قيادة جديدة تزاحم جديا قيادة محمود عباس في حركة فتح، واذا كانت باريس والقاهرة تقدمان تسهيلات لعقد دحلان لمؤتمراته، فان المخاطر الجدية تبقى على الساحة اللبنانية التي تشكل وحدها المختبر الميداني لهذا الصراع، ومع قرب الانتهاء من صياغة البرنامج السياسي للحركة "المتمردة" ثمة خشية من استخدام المخيمات الفلسطينية وبشكل خاص "عين الحلوة" ساحة لتوجيه "رسائل" دموية متبادلة، وقد انتهت عمليا "الهيكلة التنظيمية" "للحركة" في غزة وفي الضفة الغربية، وعينت هيئة مماثلة في لبنان بقيادة محمود عيسى المعروف "باللينو".
وبحسب اوساط في 8 آذار، فان التغاضي عن هذه الظاهرة او "غض النظر" عن تمددها في المخيمات، سيؤدي الى نتائج كارثية غير مسبوقة، المطلوب توجيه "رسالة" شديدة اللهجة الى الدول الخليجية الراعية، بضرورة ابعاد لبنان عن الصراع، لان نشوب اي مواجهة بين فصيلي حركة فتح سيعني حكما اضعافا للحركة، تستفيد منه المجموعات المتطرفة في المخيم، وهذا الامر سيؤدي حكما الى جر الدولة اللبنانية الى "منزلق" خطر وحرب مخيمات جديدة لا تريدها، ومن هنا يجري العمل راهنا مع قيادة فتح لمحاولة ايجاد مخارج تمنع حصول انفجار داخل "البيت الواحد"، وثمة ضغوط على "اللينو" لمنعه من تجاوز "الخطوط الحمراء" التي رسمتها استخبارات الجيش المولجة التعامل مع الملف الامني في المخيمات...
هذا الملف لا يشكل وحده مبعثا للقلق، فتفكك دولة "داعش" في سوريا والعراق سيدفع القيادة المركزية للتنظيم الى العودة الى مربع العمل الاول القائم على الخلايا العنقودية في الدول حيث ينشط فيها مقاتلو التنظيم ومؤيدوه، ومن الواضح ان "الهجرة المعاكسة" لتلك العناصر قد بدأت مع انفراط عقد القيادة العسكرية والسياسية في "الدولة الاسلامية"، ولبنان ليس بعيدا عن تجرع هذا "الكأس المر"، فعدد من المقاتلين يتم تسهيل خروجهم من ساحة القتال عبر "تواطؤ" من الاستخبارات التركية، وهؤلاء لا يعودون "تسللا" بل عبر المرافىء الشرعية ويشكلون خلايا نائمة، ووفقا للارقام غير الرسمية فان عدد اللبنانيين الملتحقين بصفوف "داعش" و"النصرة" يقارب 400 شاب، وليس لدى الجهات المعنية ارقام دقيقة حول نسب توزع هؤلاء على التنظيمات "الارهابية"... ولا يوجد تعاون تركي جاد في هذا الملف، وهذا يؤكد الاستنتاج القائل بان الساحة اللبنانية مقبلة على مزيد من الضغوط مع دخول المنطقة مرحلة "التسويات الكبرى"..
(ابراهيم ناصر الدين - الديار)