لا تستحق رومية (الكلمة يونانية وتعني القوية والمرتفعة) هذه البلدة المتنية الوادعة الغارقة في بساط أخضر من الصنوبر واللبان أن تلصق بها تهمة "السمعة السيئة"، لأنها تتحمل وزر سجن أقيم على أرضها في العام 1962 .
زائر هذه البلدة يشعر برهبة ورهاب السجن المركزي فيها، الوحيد في لبنان الذي يحمل هذه التسمية. هدوء الغابة المحيطة بأسوار السجن الاسمنتي تتناقض مع ما يحدث في داخله من فظائع يتعرض لها "نزلاؤه" في بعض الأحيان أو يقوم بها هؤلاء "النزلاء" في كل الأحيان.
في المبدأ، تعتبر محكومية السجن عقاباً للانسان، لكن سجن رومية يشكل عقاباً للسكان. الاجراءات الامنية التي اتخذها حرس السجن تحسباً لاي عملية إرهابية قد تستهدف المبنى، وهي عبارة عن حواجز وبلوكات باطون حولت محيطه ثكنة عسكرية بامتياز لا يدخلها الا المصرح له من القوى الأمنية. ويشارك سكان وأهالي تلال عين سعادة سكان رومية معاناة تنقلاتهم اليومية، خصوصاً يومي الثلاثاء والخميس، أي في موعد زيارة الأهالي لأولادهم في السجن، إذ يعمد هؤلاء الى ركن سياراتهم أيام الزيارات أمام المحال وعند مدخل المنطقة المعزولة مما يؤدي الى زحمة سير خانقة تعرقل دخول وخروج السيارات المرخص لها، التي يملكها أبناء أو سكان أوالعاملون في البلدة، وكذلك الطلاب الذين يرتادون المؤسسات التعليمية والجامعية فيها. عدد السيارات التي تخضع للتفتيش يومياً يناهز مئتي سيارة من بينها الباصات التابعة لمدارس المنطقة، إذ ان الاهالي يضطرون الى تسجيل أولادهم في "الاوتوكارات" المرخصة، بطبيعة الحال، تجنباً لهدر الوقت وتلف الأعصاب في زحمة السير، علماً أن بعض منازل هؤلاء الطلاب لا يبعد سوى مسافة خمس دقائق في السيارة عن المدرسة أو الجامعة لو كانت الطريق سالكة و"آمنة".
السجن الذي شيدته شركة ألمانية على غرار السجون في ألمانيا في حقبة الستينات يحمل "بعض صفات الحداثة" من حيث البناء، لكن المشكلة تكمن في الاكتظاظ داخله، إذ انه مخصص لاستقبال ما يقارب ثلاثة الآف سجين، وهو اليوم "يستضيف" 5798 نزيل، أي ضعف القدرة الاستيعابية.
الحكومة "السلامية" كانت قد رصدت في نيسان الماضي مبلغ 30 مليون دولار أميركي لبناء سجن إقليمي كبير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من السجناء، لكن هذا القرار الذي استطاع، بغفلة من الزمن الحكومي المتأزم، الإفلات من "دفتر الشروط " والشروط المضادة لم، وربما، لن يلغي توصيف سجن رومية بأنه من أسوأ سجون العالم العربي سمعة بعد سجن الكاظمية في العراق، وسجن طرة في مصر، وسجن جو في البحرين، وسجن القنيطرة في المغرب وسجن تدمر الذائع الصيت في سوريا قبل أن ينقل "نزلاؤه" الى سجن آخر بعد سيطرة تنظيم "داعش" على المنطقة منذ فترة.
إذا بقي سجن رومية المركزي "مركزاً" تتقاطع عنده المشكلات الإنسانية مع الأزمات السياسية والمخاطر الأمنية، فمن المؤكد أن لبنان كله سيبقى أسير قضبان سجن رومية الذي بات يعلم أصول الإجرام ويزيد نقمة المنحرف على القوانين.
("لبنان 24")