ت
رتبط الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج العربي بعلاقات استراتيجية متينة، عمرها يزيد عن 7 عقود، حيث شكّلت تلك العلاقة محور السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وأسهمت بشكل رئيس في الاستقرار الإقليمي.
لكن عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، لم يكن العهد الذهبي لعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها في المنطقة، لا سيما دول الخليج، حيث أسهم الاختلاف في وجهات النظر بإضعاف تلك العلاقة واهتزاز الثقة بين الجانبين؛ بسبب "البرود" الأميركي في التعاطي مع الأزمة السورية واليمنية، وإرخاء الحبل لإيران، حتى جاء دونالد ترامب، الذي يُنتظر منه أن يعيد "الثقة والأمان" لتلك العلاقة.
اهتزاز ثقة الخليج بأميركا انعكس إيجاباً على العلاقات مع تركيا، الممتعضة هي الأخرى أيضاً من السياسات الأميركية في المنطقة، حتى وصل مستوى العلاقات إلى حد التطابق في عدد من الملفات الهامة بالمنطقة.
- هل تودّع أميركا
هذا التطور بين تركيا والخليج دعا المفكر الموريتاني، محمد الشنقيطي، إلى الدعوة لإقامة تحالف بين الخليج وتركيا، يوفر فرصة للاستغناء عن المظلة الأميركية، كما أنه سيكون قادراً على إلجام التوسع الإيراني في المنطقة.
وأشار الشنقيطي، في مقابلة صحفية نُشرت مؤخراً، إلى أن "هنالك توجهاً حقيقياً نحو حلف استراتيجي لحلف الجزيرة العربية وتركيا، ولأول مرة منذ 100 عام تأتي قوات تركية إلى الجزيرة العربية بعد أن انسحب منها العثمانيون، وذلك في القاعدة العسكرية في قطر".
- تطابق استراتيجي
المحلل السياسي التركي، محمد زاهد غول، أكد أن "العلاقات بين الخليج وتركيا تشهد نمواً متميزاً، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية".
ولفت إلى أن "التكامل في العلاقات التركية - الخليجية سيُخرج إيران من المعادلة الإقليمية، ويقف في وجه المشروع الإيراني"، مشيراً إلى أنه "في حال انضمّت مصر لهذا التحالف، فلن يكون بمقدور أي قوة عالمية أن تواجههُ".
موقف زاهد غول أيّده المحلل السعودي، تركي أبا الخيل، الذي اعتبر أن العلاقات الخليجية - التركية باتت أكثر تكاملاً في معظمها تجاه قضايا المنطقة.
وأضاف أبا الخيل: "لا شك أن الزيارات المتبادلة، الخليجية - التركية على كافة المستويات، نقلت العلاقة إلى مستوى استراتيجي، خصوصاً في القضايا الاقتصادية، والتطابق الكامل في وجهات النظر إزاء أزمات المنطقة؛ كالحرب على داعش، والحوثيين، والأزمة السورية".
وأعرب المحلل السعودي عن أمله في أن يضم هذا الحلف دولاً عربية أخرى؛ كمصر والأردن، مرجعاً ذلك إلى "ضرورة رسم حدود سياسية جديدة لأمن المنطقة"، مبيناً أن أمنها "لم يعد يخص العرب وحدهم، بل بات يخص حتى تركيا وغيرها من دول الإقليم، للوقوف في وجه طموحات إيران الفارسية - الطائفية المتطرّفة"، بحسب قوله.
وخلال العامين الماضيين، شهدت هذه العلاقات الخليجية - التركية سلسلة زيارات متبادلة على مختلف المستويات، انعكس ذلك إيجابياً على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، نتج عنه توقيع عدة اتفاقات استراتيجية في المجالات المذكورة.
- بعيدة عن الواقعية
من جهة أخرى نظر البعض إلى موقف الشنقطي على أنه "حالم"، حيث لا يمكن للخليج العربي مهما توترت علاقاته مع الولايات المتحدة (القوة العسكرية والاقتصادية الأولى عالمياً) أن يستغني عنها؛ بسبب العلاقات الاستراتيجية التاريخية بينهما، التي تشمل كافة المجالات الحيوية، فضلاً عن أن تركيا نفسها تطلب التنسيق ومساعدة واشنطن في حربها على تنظيم "داعش"، والتنظيمات الكردية الانفصالية في سوريا، وغيرها من المجالات الاقتصادية والعسكرية.
"موقف بعيد عن الواقعية السياسية"، هكذا اعتبر المحلل التركي محمد زاهد غول، طرح المفكر الموريتاني محمد الشنقطي بـ "التخلي عن المظلة الأميركية".
وأشار إلى أنه "لا يمكن تجاوز المنظومة الأميركية والغربية فيما يتعلق ببعض القضايا السياسية، وفي مجال التصنيع العسكري، حيث إن تركيا لا تزال كما هو الحال في الخليج، تستورد أسلحتها من الولايات المتحدة".
لكن المفكر الموريتاني أشار إلى أن "دول الخليج بحاجة إلى مظلة استراتيجية قوية، لا سيما بعد الانحساب الأمريكي تارةً، والغدر الاميركي أحياناً بها، كما أن تركيا بحاجة إلى الطاقة، بالإضافة إلى أنها بحاجة إلى العمق الاستراتيجي".
وأضاف في مقابلته مع وكالة الأناضول التركية، أن "السعودية بدأت في التعاون العسكري مع تركيا، ولا سيما في مجال التصنيع العسكري، وهذه بادرة تدل على تغيّر عميق في معادلات المنطقة، مع أنه ما زال في بدايته، ولكن سيكون له ما بعده".
وفي العام 2015، أنفقت دول الخليج 51 مليار دولار في صفقات عسكرية متنوعة مع الولايات المتحدة، كما أبرمت تركيا في العام ذاته صفقة أخرى مع واشنطن بنحو 6 مليارات دولار، توجهت معظمها للسلاح الجوي.
ويوضح زاهد غول أن العلاقات بين تركيا وأميركا، في عهد الرئيس الجديد دونالد ترامب، تحسنت عما كانت عليه خلال حكم أوباما، لكنه أشار إلى أن "العلاقة الآن تمرّ بمرحلة (مسك العصا من المنتصف)، أي مرحلة توازن، ويجب الانتظار بضعة أشهر حتى يتم تحديد مستقبل تلك العلاقة".
بدوره رأى المحلل السياسي السعودي، تركي أبا الخيل، أنه يجب ألا يُخلط بين العلاقة مع تركيا والعلاقة مع أمريكا، مبيناً أن "العلاقة مع تركيا استراتيجية في إطار شؤون الإقليم والمنطقة، أما مع أمريكا فهي أعقد من ذلك وأكثر رسوخاً وقدماً".
وأضاف: "الولايات المتحدة هي من ترسم السياسة الدولية، ونحن في الخليج حلفاء لأميركا، وشركاء أيضاً في رسم سياسة ما يخص المنطقة مع أميركا".
أبا الخيل أوضح أن "أمن الخليج الاستراتيجي، واشنطن هي الأقدر على تقديره وفهمه من غيرها، وهي أكثر من يعرف أن الاستقرار فيه ينعكس على العالم؛ بفضل موقعه الاستراتيجي، ودوره كشريان حياة إلى العالم في مجال الطاقة، وهذا الشريان بحاجة إلى تكاتف وتعاون دولي لضمان أمنه واستقراره".
وحول مستقبل العلاقات الخليجية - الأميركية، توقع أبا الخيل أن يعيد الرئيس دونالد ترامب، الزخم والثقة إلى تلك العلاقة بما يخدم مصالح الطرفين، بعد أن شهدت "فتوراً" خلال عهد الرئيس السابق، باراك أوباما؛ بسبب سياساته التي "تهاونت بأمن الخليج".
(الخليج اونلاين)