كما في مطلع قصيدة "النفس الأبية" لأبي الطيب المتنبي، بدت الخطوة الحكيمة، التي قام بها الرؤساء اللبنانيون الخمسة: ميشال سليمان وأمين الجميل ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، عندما بادروا بإرسال رسالة تاريخية إلى القمة العربية في عمان، في لحظة وطنية شديدة الخطورة، وفي لحظة عربية يسودها العبث والخراب والدمار الكامل.
في مطلع تلك القصيدة لأبي الطيب جاء في البيت الأول: "الرأي قبل شجاعة الشجعان/ هو أولُ وهي المحلُّ الثاني". والرأي هنا هو العقل والحكمة والإتزان، التي إن لم يتحلَّ بها الشجاع ذهبت شجاعته سدىً أو ربما الى ما يشبه الانتحار.
في هذه اللحظة التاريخية الهامة، عُقدت القمة العربية في عمان، في ظل تهديدات تطال دول الوطن العربي، ولبنان من بينها.
أما مصدر التهديدات فهو أولاً إسرائيل، التي تسعى للإستفادة من حال التخبط العربي، ومن "حالة" الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ورؤيته للشرق الأوسط والعالم، لتوسِّع هيمنتها وعدوانيتها وأطماعها، ولتفرض قواعد جديدة، على أكثر من جبهة، وبالأخص على الجبهة الفلسطينية، بزيادة المستوطنات ورفض حل الدولتين والعمل على تكريس يهودية الكيان الإسرائيلي، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر.
أما المصدر الثاني للتهديدات التي تطال لبنان، كما المنطقة بأكملها، فهو التدخل الإيراني في أكثر من دولة عربية، وما يرافق ذلك من إثارة للنعرات الإثنية والطائفية والمذهبية، ومن تلاشي للسيادة الوطنية في أكثر من بلد عربي.
في هذه اللحظة المفصلية قرر الرؤساء الخمسة أن يخطوا تلك الخطوة التي جمعت الحكمة إلى الشجاعة.
الحكمة في إعادة منطق الدولة إلى نصابه. فالدولة شيء والثورة شيء والمقاومة شيء وحرب التحرير الشعبية شيء. وعلى الدولة دائماً، حمايةً لمصالحها ومصالح شعبها ومؤسساتها ومنشآتها وأرواح مواطنيها، أن تفكر بكل الطرق، التي لا تضعها في مرمى النار وعرضة للخراب والدمار خدمة لأهداف أو مصالح قد لا تكون هي معنية بها أصلا، بل قد تكون هذه الأهداف جزءاً من أوراق المساومات على طاولة الدول الكبرى، الإقليمية منها والعالمية.
لذلك أراد الرؤساء الخمسة أن تخدم رسالتهم منطق الدولة، بل أن تعطي الوفد اللبناني إلى القمة ورقة تساهم في تحصينه، وترفع الحرج الذي قد يسود داخل الوفد، أو داخل القمة في مواجهة الإجماع العربي، بل وتحرف بعض السهام اللبنانية التي قد توجه إلى الوفد إن هو تصرف بما لا يعجب المدافعين عن التدخل في سوريا واليمن وغيرهما، وعن الهجمة الإيرانية في الساحة العربية.
إذاً، أُريدَ إعلاء منطق الدولة، وتحصين موقف رئيس الجمهورية (الذي بالفعل تدارك هذه المرة الأمر وامتنع عن إطلاق مواقف قد تؤذي لبنان مثل المواقف التي أطلقها عشية رحلته إلى القاهرة في شباط الماضي)، ودعم موقف رئيس الحكومة، الذي لا يمكن ان يكون إلاّ مؤيداً لما ورد في الرسالة، فجاءت الأخيرة لترفع الحرج عنه ولتقول هي ما يجب أن يُقال، دون التسبب بأزمة حكم أو أزمة علاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة.
تلك كانت الحكمة، أما الشجاعة فهي في اتخاذ هكذا موقف في بلد يخضع فعلاً لـ"وهج السلاح"، وهو سلاح لطالما دافع عنه الموقعون على الرسالة، عندما كان موجهاً حصراً إلى العدو الإسرائيلي الطامع والغاصب، أما عندما استُعمل في الداخل وذهب، خارج إرادة الدولة اللبنانية الشرعية، إلى ساحات عربية عديدة، ليقاتل في حروب أهلية ومذهبية، فهذا يطرح حول دوره الشكوك ويطرح حول شرعيته التساؤلات.
هذه هي الشجاعة التي تحلّى بها هؤلاء الرؤساء، فجاءت، مع الرأي، قبل «شجاعة الشجعان»، حتى لو تطاول على الموقعين صغارٌ فقدوا احترام الناس منذ وقت طويل.
فلقد أكدت الرسالة الالتزام الكامل باتفاق الطائف، والتزام لبنان بالانتماء العربي، والالتزام بإعلان بعبدا والخاص بتحييد لبنان عن سياسات المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، وضرورة الاهتمام العربي بالتضامن مع لبنان في تحرير أرضه ورفض السلاح غير الشرعي وبسط الدولة اللبنانية وأجهزتها العسكرية لسلطتها وحدها على كامل التراب اللبناني، واحترام الشرعية العربية والدولية.
(
صحيفة التمدن الطرابلسية)