إذا كانت المؤسسات الدستورية في لبنان تعاني من التآكل في الدور والتأثير، بفعل شغور موقع رئاسة الجمهورية وتراجع انتاجية مجلسي النواب والوزراء، فإن المؤسسات الأمنية تبدو حاضرة ويقظة، أكثر من أي وقت مضى، لمواجهة اشباح الارهاب، في حرب معقدة، هي أصعب بكثير من الحروب الكلاسيكية.
ويسجل للأجهزة الأمنية أنها نجحت حتى الآن في الامتحان، واستطاعت أن تقلل الى حد كبير من تداعيات الازمة السياسية على عملها، الذي لا يحتمل في هذه المرحلة أي شكل من أشكال الاسترخاء أو الهبوط في الايقاع.
وفي هذا الاطار، يؤكد مرجع امني لـ "
لبنان 24" أن التنسيق بين الاجهزة الامنية اللبنانية (مخابرات الجيش، الامن العام، فرع المعلومات، أمن دولة) هو أفضل من السابق، بعدما توحدت جميعها حول مواجهة خطر "داعش" و"النصرة"، بينما كانت لكل جهاز في الماضي أجندة مستقلة ومنفصلة، تبعًا لولائه السياسي ولمرجعيته السياسية.
ويلفت المرجع الى أنه لم تكن هناك أولويات واحدة لدى الاجهزة، انعكاسًا للانقسام الداخلي الحاد حول الخيارات السياسية والأمنية، لكن تحدي الإرهاب فرض إيقاعه عليها، ودفعها نحو تعزيز التنسيق والتعاون، على قاعدة أولوية مشتركة هذه المرة، هي مواجهة عدو واحد.
ويشدد المرجع على أن التدابير الأمنية وحدها لا تكفي لتحصين الساحة الداخلية، معتبرًا أن الإنماء هو شريك ضرروي في تحقيق الاستقرار وتعزيز المناعة، خصوصًا في المناطق الفقيرة التي تشكل في العادة أرضية خصبة لتمدد التطرف، مشيرًا الى أن الاستثمار في الامن هو جزء حيوي من أي استراتيجية لمواجهة الارهاب.
وفيما يحتل ملف العسكريين المخطوفين مرتبة متقدمة في الاهتمامات الداخلية، يؤكد المرجع الامني ذاته أن المفاوضات تتقدم مع جبهة "النصرة"، وتتحرك مع "داعش"، موضحًا أن البحث بدأ يغوص في الاسماء التي يمكن أن تكون جزءًا من عملية مقايضة.
ويشدد المرجع على أن هناك ارهابيين شديدي الخطورة، محكومين أو موقوفين لدى السلطة اللبنانية، ليس واردًا القبول بإطلاق سراحهم، لارتباطهم بأعمال إجرامية موصوفة، لافتًا الانتباه الى وجود استعداد في المقابل للبحث في إمكانية تضمين صفقة التبادل المفترضة اسماء اقل خطورة.
ويشير المرجع الى أن أعداد السجناء الذين يطالب الخاطفون بالافراج عنهم في مقابل إطلاق سراح العسكريين، أصبحت أكثر واقعية قياسًا الى الطروحات السابقة، مضيفًا: "نحن أصحاب خبرة في التفاوض من خلال التجربة التي خضناها في ملف راهبات معلولا، حيث كان سقف المطالب في البداية مرتفعًا جدًا، لكنه انخفض لاحقا مع الأخذ والرد، لتُنجز في النهاية صفقة تبادل واقعية".
ويروي المرجع كيف أن خاطفي الراهبات في معلولا طرحوا مطلبًا مستجدًا في اللحظة الاخيرة التي سبقت المباشرة في عملية التبادل، عندما اشترطوا فجأة الافراج عن الموقوفة في احد السجون السورية سجى الدليمي مع أولادها، لإتمام الصفقة، فأجريت اتصالات سريعة ورفيعة المستوى مع القيادة السورية انتهت الى موافقة الرئيس بشار الاسد على المطلب.
ويؤكد المرجع أنه تم الحصول على تطمينات من قبل الخاطفين بوقف قتل العسكريين، بعدما أبلغناهم أننا لسنا مستعدين للتفاوض على جثث، لافتًا الى أن القطريين عاودوا الدخول بقوة على خط التفاوض، أما الأتراك فلا دور لهم في الوساطة.
وعلى مستوى الوضع الامني العام، يشدد المرجع على أن الخلايا الارهابية في لبنان تلقت العديد من الضربات التي أدت الى تفكيك بعضها، وصولا الى تراجع مخاطر الارهاب، إنما من دون أن تنتفي كليا، إذ لا تزال توجد خلايا أخرى موجودة، وهي قيد المراقبة والملاحقة.
(خاص "
لبنان 24")