تشهد تركيا انقساماً عمودياً بعد فوز مؤيدي التعديلات الدستورية التي تعزز صلاحيات الرئيس رجب طيب أردوغان، بفارق ضئيل، ووصل الأمر إلى حد مطالبة المعارضة بإلغاء النتائج، وسط دعوات أوروبية إلى الوحدة تحمل في طياتها تحذيرات وانتقادات للحكومة.
المعارضة
وبعد ساعات من إعلان النتائج الأولية غير الرسمية التي أظهرت فوز الـ «نعم» بـ 51.18 في المئة مقابل معارضة 48.82 في المئة، طلب أكبر حزبين معارضين إلغاء الاستفتاء، وأكدا عزمهما على الطعن في نتيجته بسبب وجود «عمليات تلاعب».
وانتقد الحزبان خصوصاً إجراء أعلنه المجلس الانتخابي الأعلى في اللحظة الاخيرة يؤكد صلاحية البطاقات التي لا تحمل الختم الرسمي لمركز التصويت حيث حصلت عملية الاقتراع، لكن رئيس المجلس سادي غوفن رفض الاتهامات مؤكداً أن هذه البطاقات «صالحة»، ومعلناً أن النتائج الرسمية تعلن خلال 10 إلى 12 يوماً.
وقال نائب رئيس «حزب الشعب الجمهوري» (اشتراكي ديموقراطي) بولنت تزكان «ليس هناك إلا قرار واحد يجب اتخاذه (...) هو إلغاء الاقتراع من قبل المجلس الانتخابي الأعلى».
وأكد أن العديد من الناخبين لم يتمكنوا من التصويت بشكل سري، كما أن عمليات فرز للاصوات جرت بعيداً عن الانظار.
وأضاف خلال مؤتمر صحافي في مقر الحزب في أنقرة «هذه الانتخابات التي طبقت مبدأ (تصويت مفتوح وفرز اصوات سري)... ستأخذ مكانها ضمن صفحات مظلمة من التاريخ».
وأكد ان «حزب الشعب الجمهوري» سيقدم طعنا في النتائج الى المجلس الانتخابي الأعلى «فور الانتهاء من استعداداتنا»، مشيرا الى احتمال طلب التماس المحكمة الدستورية التركية أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وكان الأمين العام المساعد للحزب اردال اكسونجر أعلن ليل اول من امس أن حزبه سيطعن بنتائج نحو 37 في المئة من صناديق الاقتراع، ويمكن ان يرتفع هذا الرقم الى 60 في المئة.
بدوره، أكد «حزب الشعوب الديموقراطي» المؤيد للأكراد أن عدد مظاريف أوراق الاقتراع غير المختومة التي اعتبرت سليمة في الاستفتاء كافية لتغيير النتيجة، مستنكراً ما وصفه بـ «الانقلاب».
وقال الناطق باسم الحزب عثمان بايديمير إن ثلاثة ملايين ناخب تأثروا بقرار لجنة الانتخابات العليا في اللحظة الأخيرة قبول المظاريف غير المختومة بختمها واعتبارها سليمة، مضيفاً ان هناك اختلافاً بين البيانات التي قدمتها اللجنة العليا والأرقام التي حصل عليها الحزب بخصوص فرز الأصوات في المئات من صناديق الاقتراع.
وأكد الحزب، في بيان، أنه سيطعن في صحة البطاقات في «ثلثي» صناديق الاقتراع، معتبراً ان «المعطيات تفيد بأن تلاعباً قد حصل يوازي ثلاث أو أربع نقاط مئوية».
المراقبون
وفي السياق نفسه، أكد مراقبون دوليون أن الفرص في الحملة التي سبقت الاستفتاء «لم تكن متكافئة»، وأن عملية فرز الاصوات شابتها عملية تغيير بالاجراءات في اللحظة الاخيرة.
وقال سيزر فلورين بريدا، من اللجنة المشتركة لمكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للمؤسسات الديموقراطية وحقوق الانسان، والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، قال إن «حملة الاستفتاء جرت بشكل غير متكافئ كما ان الفرص لم تكن متساوية للطرفين».
وأضاف أن «التغييرات التي جرت في مرحلة متأخرة من عملية فرز الاصوات ألغت ضوابط مهمة»، في إشارة إلى قرار المجلس الانتخابي السماح بتعداد بطاقات الاقتراع التي لا تحمل ختماً رسمياً.
وأكد أن الاستفتاء لم يرق إلى مستوى المعايير الأوروبية والدولية.
فوز بفارق شعرة
وكان أردوغان (63 عاماً) يأمل في الحصول على دعم شعبي واسع، لكن النتائج لم تكن على قدر توقعاته، وأظهرت أن نحو نصف الشعب التركي يرفض التعديلات الدستورية.
وأكد المجلس الانتخابي الأعلى فوز «النعم»، موضحاً أن مؤيدي الاصلاح يتقدمون على رافضيه بفارق نحو مليون صوت (المؤيدون 24 مليوناً و325 ألفاً و817 والمعارضون 23 مليوناً و201 ألف و726 حسب نتائح نشرتها وكالة «الأناضول» الرسمية).
ورغم فوز الـ «نعم» في مختلف أنحاء البلاد، فإنّ معسكر الرافضين فاز في المدن الثلاث الرئيسية اسطنبول وانقرة وازمير. كذلك، صوتت مناطق الجنوب الشرقي ذات الغالبية الكردية في شكل كبير ضد التعديلات.
وكتب سونر كغبتاي المحلل المتخصص في تركيا في معهد واشنطن «انه فوز لاردوغان لكنه أيضاً هزيمة. لقد خسر اسطنبول حيث كان بدأ حياته السياسية».
وكتبت صحيفة «البايس» الاسبانية «انتصار بالحد الأدنى»، فيما رأت صحيفة «لاريبوبليكا» في روما أن «أردوغان فاز بفارق شعرة».
وعنونت صحيفة «نيويورك تايمز» انه «فوز محدود»، فيما كتبت الفرنسية «لوفيغارو» «أردوغان يعلن عن فوز بفارق ضئيل». أما صحيفة «دي فيلت» الالمانية فتحدثت عن انتصار يشبه «الهزيمة».
وبموجب التعديلات التي سيدخل الجزء الاكبر منها حيز التنفيذ في الانتخابات المقبلة في 2019، سيصبح الرئيس صاحب السلطة التنفيذية الوحيد ويمكنه التدخل في السلطتين القضائية والتشريعية واصدار مراسيم.
والمادة الوحيدة التي يمكن تطبيقها فوراً هي امكانية انضمام الرئيس الى حزب.
وقال زعيم الكتلة البرلمانية لـ «حزب العدالة والتنمية» مصطفى اليتاش «سنقترح على اردوغان العودة (الى الحزب) بعد 27 أو 28 ابريل» الجاري.
وذكرت وسائل إعلام أن السلطات تعتزم تمديد حالة الطوارئ السارية في تركيا منذ الانقلاب الفاشل في يوليو من العام الماضي.
واستبق أردوغان اي انتقادات محتملة، داعياً المنظمات الدولية والدول الأجنبية إلى «احترام» نتيجة التصويت.
وفي خطاب متلفز ليل أول من أمس، تحدث أردوغان عن «قرار تاريخي» اتخذه الشعب التركي لأنه «للمرة الأولى يتم تغيير نظام الحكم من خلال سياسات مدنية»، كما تطرّق إلى امكان اجراء استفتاء آخر بشأن إعادة العمل بعقوبة الاعدام، في خطوة قد تنهي عملية انضمام بلاده الى الاتحاد الاوروبي.
ألمانيا
من جهتها، دعت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل الرئيس التركي إلى السعي لاجراء «حوار قائم على الاحترام» مع كل الاحزاب السياسية.
وقالت في بيان مقتضب مشترك مع وزير الخارجية سيغمار غابرييل ان حكومتها «تحترم حق المواطنين الأتراك في اتخاذ قرار بشأن نظامهم الدستوري»، لكنها «تنتظر من الحكومة التركية بعد حملة انتخابية شاقة، السعي الى حوار قائم على الاحترام مع كل القوى السياسية وفي المجتمع».
وأضاف البيان «نتيجة الاستفتاء المتقاربة تظهر عمق الانقسام في المجتمع التركي وتعني أن القيادة التركية عليها وعلى الرئيس أردوغان ذاته مسؤولية كبيرة».
وفي تصريح لصحيفة «بيلد»، اعتبر وزير الخارجية الالماني ان احتمال اعادة العمل بعقوبة الاعدام سيكون «مرادفا لنهاية الحلم الاوروبي» بالنسبة الى تركيا، اي انتهاء مفاوضات الانضمام الى الاتحاد.
واضاف ان «على تركيا ألا تبتعد أكثر عن أوروبا وهذا في الدرجة الاولى لصالحها».
فرنسا
بدورها، حذرت فرنسا من أنه في حال نظمت تركيا استفتاء بشأن إعادة العمل بعقوبة الإعدام، فإن ذلك سيكون «ابتعاداً» عن «القيم» الأوروبية.
وأكدت الرئاسة الفرنسية في بيان أن نتائج الاستفتاء تظهر أن «المجتمع التركي منقسم بشأن الإصلاحات العميقة المقررة»، مشيرة إلى أن «القيم والتعهدات المتخذة في إطار مجلس أوروبا يفترض أن تقود السلطات التركية إلى إجراء حوار حر وصادق مع جميع مكونات الحياة السياسية والاجتماعية».
وفي بيان منفصل، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن باريس «ستدقق في التقرير التقييمي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وأعضاء الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا الذين شاركوا في مراقبة هذا الاقتراع».
أوروبا
بدوره، حض الاتحاد الأوروبي السلطات التركية على السعي الى أوسع توافق ممكن بعد الاستفتاء.
وقال رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني والمفوض الاوروبي لشؤون التوسيع يوهانس هان، في بيان مشترك، «انطلاقا من النتيجة المتقاربة للاستفتاء والتداعيات بعيدة المدى للتعديلات الدستورية، ندعو السلطات التركية الى السعي لأوسع توافق وطني ممكن في تطبيق هذه التعديلات».
وأضاف البيان ان «التعديلات الدستورية خصوصا كيفية تطبيقها سيتم تقييمها في ضوء التزامات تركيا بوصفها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الاوروبي وعضوا في مجلس اوروبا».
كذلك، قال الأمين العام لمجلس اوروبا ثوربيورن ياغلاند «بالنظر إلى النتيجة المتقاربة، يجب على السلطات التركية أن تنظر في الخطوات المقبلة بحذر»، و«من الأهمية بمكان، ضمان استقلال السلطة القضائية وفقا لمبدأ سيادة القانون المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان»، حسب ما جاء في صحيفة "الراي" الكويتية.