لا يعتبر التربّع على كرسي العرش، مهمة سهلة على الإطلاق. علاوة على ذلك، لم تخلُ هذه المهمّة بالنسبة للرؤساء المتعاقبين على "البيت الأبيض"، من المصاعب خاصة خلال المائة يوم الأولى. وفي هذا الصدد، يجدر التذكير بأنّ أسلاف ترامب في "البيت الأبيض"، لم يكونوا أيضاً في حصانة من "لعنة المائة يوم الأولى".
ظهرت عادة "المائة يوم" السياسية مع الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة، فرانكلين ديلانو روزفلت. وفي أعقاب فوزه بالرئاسة الأميركية، طالب رزفلت بهدنة تمتدّ على مدار 100 يوم. وكان الهدف من هذه الهدنة هو إنقاذ الولايات المتحدة الأميركية من أزمتها الاقتصادية، التي عرفتها منذ سنة 1929، على إثر انهيار بورصة "وول ستريت".
وفي ظلّ حالة الطوارئ التي اجتاحت البلاد، وقّع الرئيس روزفلت على 15 قانوناً رئيسياً. ومن بين هذه القوانين، نذكر البند الذي ألغى قاعدة الذهب أو نظام الذهب الدولي، في الولايات المتحدة الأميركية. وكنتيجة لذلك، حقّق النظامي المالي الأميركي انتعاشاً وأطلق العنان لعدة برامج بهدف خلق فرص عمل.
من الواضح أنّ عادة المائة يوم الأولى، كانت بالنسبة لترامب، بمثابة لعبة سياسية و"مكيال بمكيالين". وفي هذا السياق، عمد ترامب مرات كثيرة إلى تحقير وتشويه صورة هذه العادة السياسية، وذلك من خلال وعده الانتخابي المجنون المتعلق بإلغاء برنامج "أوباما كير". وفي بعض الأحيان الأخرى، لجأ ترامب إلى محاكاة وتقليد روزفلت، وذلك عندما فكر في تخفيض الضرائب وتحديد خطّة واضحة لبنيته التحتية.
على العموم، لا تعدّ المائة يوم الأولى من الحكم، سهلة. وحتى في حال حقّق أسلاف ترامب إنجازات عظيمة، فقد كان ذلك بعد مرور هذه الفترة الأولى. وقد حدث الأمر نفسه مع باراك أوباما، الذي لم يُبصر إصلاحه الصحّي النور إلا بعد 428 يوماً من استلامه الحكم. ويتمثل السؤال الذي يُطرح بقوة في هذه المرحلة، في: "ما هي الأحداث التي سيطرت على "المائة يوم الأولى" من إدارة أسلاف ترامب في البيت البيضاوي؟".
رونالد ريغان
تسلم الرئيس الجمهوري منصبه في 20 كانون الثاني سنة 1981. وخلال شهره الأول من الرئاسة، أرسل ريغان إلى الكونغرس مقترح ميزانية جريء للغاية، يتضمن زيادة في الإنفاق العسكري والبنية التحتية وتخفيضاً حاداً للضرائب. ونتيجة لذلك، تعدّدت الاجتماعات في الكونغرس بين الرئيس ريغان والديمقراطيين.
من جهة أخرى، وعلى الصعيد الدولي، كان على ريغان منذ الأيام الأولى من استلامه للحكم، المشاركة في حلّ أزمة رهائن إيران، التي نُظّمت مفاوضاتها سابقاً في العديد من الجبهات الخارجية. وخلال الفترة الأولى أيضاً، أرسل ريغان العديد من التحذيرات إلى الاتحاد السوفييتي السابق، لإنذاره بعدم التدخل في بولندا التي كان يحكمها آنذاك، ليخ فاليسا. ويضاف إلى ما سبق ذكره، الانتقادات الدولية الموجهة لريغان خلال الأيام الأولى من اعتلائه سدة الحكم، بسبب سياسة مكافحة الإرهاب ضدّ المتمردين اليساريين في السلفادور.
بالإضافة إلى ذلك، بحلول الستين يوماً الأولى من اعتلاء ريغان سدة الحكم، وتحديداً في 20 آذار، تعرض ريغان لمحاولة اغتيال في فندق "واشنطن". وبعد هذه الحادثة، استعاد صحّته في غضون شهر. وخلال فترة نقاهته، وقّع ريغان على عدّة أوامر تنفيذية.
مؤشر الشعبية: ارتفع بمعدل 17 نقطة، من 51 إلى 68 بالمائة.
جورج بوش الأب
أدّى الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، اليمين الدستوري في 20 كانون الثاني سنة 1989. وقد استهلّ الرئيس الأميركي الحادي والأربعين مسيرته في "البيت الأبيض" عبر تعزيز الإنفاق العسكري، لكن بشرط موازنة العجز في الميزانية الذي خلفه سلفه. وعلى العموم، كانت السنة الأولى للرئيس الأميركي، صعبة للغاية ومليئة بالتحديات. وقد شهد العالم خلال هذه السنة مظاهرات ساحة "تيانانمن" في الصين، فضلاً عن سقوط "جدار برلين" الذي يلوح في الأفق، وانهيار الاقتصاد الياباني، وتفكير الرئيس العراقي السابق، صدام حسين في غزو الكويت.
من جانب آخر، رفض مجلس الشيوخ، خلال المائة يوم الأولى من إدارة بوش الأب، مقترحه المتعلّق بتعيين جون تاور وزيراً للدفاع. ويعد هذا الرفض لمقترح التعيين الرئاسي، الأول من نوعه منذ 30 سنة، في ذلك الوقت من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. وقد تخلّلت هذه الفترة الأولى من إدارة بوش الأب، أزمة كبرى، تحديداً في 24 آذار، وهو تاريخ حدوث كارثة ناقلة النفط، "إكسون فالديز" في ألاسكا.
في الأثناء، عرفت سياسات بوش الأب دعماً اجتماعياً قوياً، بما في ذلك قراراته الهادفة إلى مكافحة المخدرات، ومنع الإجهاض أو حتى القرارات التي لا تراعي في معاييرها ضوابط حماية الطبيعة. كما لاقت أيضاً سياسته التي يعتمدها لإدارة أزمة الادخار، تأييداً واسع النطاق.
مؤشر الشعبية: ارتفع بمعدل خمسة نقاط، من 51 إلى 56 بالمائة.
بيل كلينتون
تسلم الرئيس الديمقراطي منصبه في 20 كانون الثاني سنة 1993. وقد بدأت رحلته في المنصب الرئاسي بلقاء مع الرئيس الروسي بوريس يلتسن. وخلال هذا اللقاء، قدمت الولايات المتحدة الأميركية مساعدة بقيمة ألف مليون دولار، كي تتمكّن روسيا من الخروج من أزمتها الاقتصادية الحادة. وفي وقت قياسي، أرسل بيل كلينتون إلى الكونغرس أول مقترح ميزانية، بقيمة 1.5 بليون دولار.
على العموم، شابت المائة يوم الأولى من حكم بيل كلينتون عديد القضايا المثيرة للجدل، على رأسها سماحه للمثليين بالخدمة في الجيش الأميركي، وتعيينه لزوجته، هيلاري كلينتون، على رأس مجموعة الخبراء المكلّفين بتنفيذ خطته في مجال الإصلاح الصحّي. وخلال اليوم التسعين من فترة "الهدنة السياسية"، عرفت الولايات المتحدة الأميركية مجزرة في صفوف طائفة الفرع الداوودي الدينية. وخلال هذه الأحداث، توفي 4 من رجال الشرطة، إلى جانب 76 عضواً من هذه المجموعة الدينية.
مؤشر الشعبية: انخفض بثلاثة نقاط، من 58 إلى 55 بالمائة.
جورج والكر بوش (الإبن)
أدّى بوش الإبن اليمين الدستوري في 20 كانون الثاني، سنة 2001. ومنذ الأيام الأولى، اتُّهم الرئيس الأميركي الثالث والأربعين بتزوير نتائج الانتخابات في ولاية فلوريدا، نظراً لأنّ فرز الأصوات في ولاية يحكمها أخوه، جيب، حامت حوله الكثير من الشكوك، في ذلك الوقت. كما أنّه خلال فترة حكمه، حلقت الطائرات الأميركية فوق مناطق محظورة في العراق، وهو ما أجّج التوترات بين البلدين.
من جهة أخرى، عرفت الولايات المتحدة الأميركية خلال المائة يوم الأولى من حكم بوش الإبن، واحدة من أكثر الأحداث مأساوية، وكان ذلك عند اصطدام طائرة تجسّس أميركية بمقاتلة تابعة للجيش الصيني. وتجدر الإشارة إلى أنّ الطائرة الأميركية اضطرت إلى الهبوط اضطرارياً في جزيرة هاينان الصينية، خلال هذه الحادثة.
على العموم، أجبرت حادثة اصطدام الطائرتان الرئيس الأميركي الثالث والأربعين، على الاعتذار من بكين. وعلى إثر عودة الطاقم الأميركي إلى أراضيه، بعد 11 يوماً، اقترح بوش الأب برنامج الإصلاح التعليمي المثير للجدل.
مؤشر الشعبية: ارتفع بمعدل خمس نقاط، من 57 إلى 62 بالمائة.
باراك أوباما
تسلم باراك أوباما، منصبه في البيت الأبيض في 20 كانون الثاني سنة 2009. وقد تزامن دخوله البيت الأبيض مع أسوأ أزمة عرفتها البلاد منذ أزمة الكساد الكبير لسنة 1929. وفي يومه التاسع والعشرين، وقّع أوباما على مرسوم لتحفيز الاقتصاد، بقيمة 787 ألف مليون دولار. وبعد مرور سبعين يوماً على استلامه للسلطة، وقع أوباما قراراً يقضي بتحسين نظام التأمين الصحي للأطفال، وهو ما ساهم في زيادة الانفاق الصحي بقيمة 410 ألف مليون دولار.
من جانب آخر، يتمثّل الحدث الأكثر إثارة للجدل خلال فترة "الهدنة السياسية"، في الهجوم على سفينة "مايرسك ألاباما"، واختطاف عناصر من طاقمها من قبل قراصنة صوماليين.
مؤشر الشعبية: انخفض بثلاث نقاط، من 68 إلى 65 بالمائة.
(نون بوست - بوبليكو)