كتب عباس صالح في صحيفة "الديار": عندما يحذر الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من أن لبنان بات على شفير الهاوية ويطلب من الفرقاء السياسيين، ومن بأيديهم الحل والربط الا يدفعوا بالبلد الى أتون الهاوية، فإن ذلك يعني الكثير. فالانذار من هذا المستوى حين يرد على لسان أحد القادة الرئيسيين الذين يديرون اللعبة في منطقة الشرق الاوسط عموما، والمؤثرين الاساسيين في رسم خريطة التوازنات الدولية الجديدة، يمكن ترجمته بكل الابعاد على أنه كبطاقة صفراء وربما حمراء للاعبين على مستوى الساحة اللبنانية بأن الامور بلغت مبلغاً لم يعد فيه اي هوامش للمناورات السياسية التي مورست في الماضي، ويعني اننا دخلنا في المرحلة الحساسة جداً، وأن المعالجات على المستوى السياسي باتت تتطلب جدية عالية، وصارت كل القوى في مواجهة مباشرة مع الوقت الذي بات ثقيل الوطأة على الجميع، وتحول السباق من لعبة عض أصابع وشد حبال للحصول على مكاسب إضافية في التحاصص السياسي الداخلي الى ما هو أشبه "بلعبة موت ذاتية" بل لعبة نحر للوطن، تمارسها القوى السياسية المختلفة ولا سيما تلك التي تحاول استعراض قوتها وعنترياتها الفارغة من خلال اقحام الشارع والمناصرين في ألاعيب تفصيل القوانين الانتخابية، وهو ما سيستدعي حكماً إيقاظاً لشوارع أخرى لمواجهة الإجراء بمثله، وهنا مكمن الخوف اذ ان ذلك أمر محفوف بمخاطر كبيرة قد تنتهي بالانزلاق المرجح نحو حرب أهلية جديدة بين اللبنانيين لن يكون بمقدور اي قوة ان تتوقع تكاليفها او تتحكم بنتائجها.
ومن يقرأ في كلام السيد الاخير يكتشف ان ما أخفي وراء الكلمات كان أبلغ تعبيراً عن حجم المخاوف التي ابداها حيال بعض التصورات والاحتمالات، ولا سيما لجهة قوله ان "المناورات انتهت وعلى الجميع ان يتحمل مسؤولياته كاملة وعدم رمي المسؤوليات على بعضنا بعضاً"، وتأكيده على ان قانون الانتخاب موضوع حساس جدا، والكثيرون يتعاطون مع هذا القانون قضية حياة او موت، البعض يعتبره قانوناً تأسيسياً ومصيرياً، ويجب أن تؤخذ الامور بجدية في الوقت المتبقي لنصل الى نقطة تسوية بشأن قانون الانتخاب وننقذ بلدنا في نهاية المطاف".
من هذا المنطلق، وعلى قاعدة المبادرة من خلال البدء بالذات والتضحية بأي شيء في مقابل حفظ الوطن، يأتي كلام السيد عن تضحية الثنائي الشيعي بطرح النسبية، اذا كانت هي التي تشكل العقدة، كمبادرة حين قال اننا لا نريد ان نفرض النسبية على احد، رغم صوابية هذا المسار القانوني بل "اننا لا نريد ان نفرض اي قانون انتخابي على اي احد في لبنان".
قبل ذلك الخطاب كانت هذه النتيجة التي توصل اليها السيد في هذا السياق ولا سيما لجهة المخاطر المحدقة بلبنان جراء ذلك الكباش العبثي المقيت الذي اتخذ ابعادا طائفية ومذهبية غير محببة بتاتاً، هي الدافع الاول لإرساله رسائل شفهية من خلال مبعوثيه في اكثر من اتجاه، لكن ابرزها كان لرئيس مجلس النواب نبيه بري بهدف إقناعه بضرورة التخفيف من حدة المواجهة بشأن القانون الانتخابي والمبالغة في تبني التمديد للمجلس النيابي وجعل ذلك وكأنه غاية المنى بالنسبة لحركة امل وحزب الله بما يعكس انطباعاً لدى الرأي العام اللبناني مفاده ان الثنائي الشيعي متمسك بهذا الخيار لخوفه من نتائج الانتخابات النيابية، مع العلم بأن الجميع يسلم بأن الثنائي الشيعي حصراً هو الجهة الوحيدة التي ستربح وتزيد اعداد نوابها في اي مقترح كان لأي قانون انتخابي جديد يتم اقراره، وأن هذا الثنائي بالفعل هو الخاسر الاول في التمديد للمجلس الحالي على كل المستويات، وعلى هذا الاساس تم الاتفاق مع بري على ان يخرج نفسه من حلبة المواجهة مع التيار الوطني الحر بهذا الشأن لا سيما بعد ان خرج منها رئيس الحكومة سعد الحريري بتصريحه من مقر عين التينة بالذات بأنه لا يمشي بالتمديد، علماً انه بكل السيناريوهات والاقتراحات هو الخاسر الاول من اي قانون انتخابي جديد، وهو الذي سيخسر الغالبية النيابية التي تتحكم بمسار الامور في المجلس الحالي، كما سيخسر ما هو متوقع وما هو غير متوقع، وبالتالي بات الجميع يدرك ان بري الآن يخوض حروباً عن غيره في هذا السياق، وإن كانت الميثاقية الدستورية هي العنوان العام الذي يطبع به معاركه المتعلقة بالقوانين الانتخابية، وعلى هذا الاساس وافق بري بالفعل على اسقاط مبدأ التمديد القسري من حساباته ووافق على استراتيجية السيد الذي عرج في خطابه الى هذه النقطة بعد الاتفاق مع بري بهذا الصدد بقوله "حيدوا الثنائي الشيعي واذهبوا واتفقوا على اي قانون يتوافق عليه الجميع، ونحن لن نكون حجر عثرة في وجه اي اتفاق يحظى برضى كل الاطراف السياسية ، لكن انتبهوا فلكل مذهب هواجسه وعلى الجميع اخذ ذلك في عين الاعتبار، وعلى هذا الاساس كرر نصرالله عباراته التحذيرية "ان البلد على حافة الهاوية، واذا لم نصل الى قانون جديد فكل الخيارات سيئة التمديد سيء والفراغ سيء، فلا تدفعوا بلبنان الى الهاوية" كما نبه الى "ضرورة ان لا يستهين احد بالخلاف القائم الآن في البلد"، وأكد على ان "بلدنا امانة في ايدنيا ولا يجوز ان تدفعوا هذا البلد الى الهاوية".
وترجمة لهذا التوجه الجديد الذي تم الاتفاق بشأنه فإن أياً من ممثلي الثنائي الشيعي اللذين كانا يشاركان في جلسات الحوارية والمناقشات الجانبية الجارية بشأن القانون الانتخابي، تغيبا عن الاجتماعين الاخيرين اللذين عقدا بهذا الصدد في وزارة الخارجية وفي منزل الوزير باسيل في اللقلوق على اعتبار انهما باتا غير معنيين بالنقاشات الاولية الدائرة بهذا الشأن، انسجاما مع ما أعلنه السيد في هذا الاطار، بعد ان ذكَّرَ المتحاورين بثوابت الديموقراطية التوافقية التي لا يمكن الحياد عنها في لبنان مهما حدث.
(عباس صالح - الديار)