قال رئيس الجمهورية كلمته فاشتعلت الجبهات الإعلامية والسياسية تحليلاً وتأويلاً للموقف المدوّي الذي نجح من خلاله في تحريك المياه الراكدة في مستنقع الجمود المُستحكم بملف قانون الانتخاب، فهو وبمعزل عن مرامي توقيت إشارته إلى حتمية إجراء الانتخابات النيابية على أساس "القانون النافذ" في حال عدم الاتفاق على قانون جديد، بدا كمن يدقّ ناقوس "الستين" باعتباره أحد أوجه الأخطار الثلاثة المحدقة بالاستحقاق، التمديد، أو الفراغ، أو العودة للستين.
هكذا قُضِيَ الأمر.. وعاد "الستين" نجم القوانين، وأمامه تسقط كل المحاذير والاعتبارات، حتى رئيس الجمهورية تجاوز كل وعوده ورفع الراية البيضاء، سائلاً "هل أترك الجمهورية فالتة؟". المسألة يا فخامة الرئيس أن البلد كله فلتان، والكل.. الكل يريد تفصيل القوانين بحسب مصالحه وأهوائه، وما يقال في العلن لامتصاص نقمة الناس لا يعكس كلام التسويات التي تطبخ في السر. وفي الخلاصة يمكن القول إن كلام الأمس أنعش "الستين" وعبّد الطريق أمام جلسة 29 أيّار التي سيتخلّلها تمديد تقنيّ ومن ثمّ انتخابات وفق القانون النافذ في أيلول، وحتماً مع ضجة إعلامية لزوم الإخراج وتصوير ما حصل بأنه انتصار.
عون وخلط أوراق الملف الإنتخابي
إذن، فَتح رئيس الجمهورية ميشال عون الطريق للعودة إلى قانون الستين النافذ، قاطعاً الشكّ باليقين إزاء كلّ ما شهدته الساحة الداخلية من تكهّنات حول إمكان اعتماد هذا القانون في حال فشل التوصّل إلى قانون جديد، ما أدى، بحسب "الجمهورية"، إلى خلط أوراق الملف الإنتخابي:
وهو إذ اعتبَر أنّ التمديد لمجلس النواب "دوسٌ على الدستور"، قال: "لا داعي للتهويل بالفراغ، لأنه إذا حلّ موعد انتهاء ولاية مجلس النواب من دون التوصّل إلى قانون انتخابي جديد، فإنّنا سنَعمل بهديِ الدستور وما ينصّ عليه لجهة دعوة الشعب إلى الانتخابات ضمن مهلة تسعين يوماً، وتكون هذه الانتخابات على أساس القانون النافذ إذا لم يقِرّ المجلس قانوناً جديداً".
واوضح مصدر في "التيار الوطني الحر" لـ"الجمهورية" ان رئيس الجمهورية "على موقفه الرافض لقانون الستين والتمديد لمجلس النواب وأنه بكلامه إنما ينبه من الفراغ الذي سينتج من عدم اقرار قانون انتخاب جديد ويقود الى الستين، وهذا لا يمكن اعتباره قبولاً بالستين بل تنبيهاً للجميع الى ضرورة العمل فوراً لانجاز قانون انتخاب جديد، خصوصا انه بعد 20 حزيران يصبح المجلس غير موجود ما يجعل من القانون الحالي الوسيلة الوحيدة لاجراء الانتخابات النيابية لكن بعد فترة من الفراغ".
في المقابل، قالت مصادر سياسية لـ"الجمهورية" إنّ "موقف عون كشَف عدم رغبة غالبية القوى السياسية في التوصّل إلى قانون انتخابي جديد، وإزاء هذا الوضع وبحكمِ محدودية صلاحياته، لم يكن أمامه خيار إلّا السير في القانون الموجود. إلّا أنّ ذلك يشكّل انتكاسةً رئيسة للعهد وللحكومة". وأضافت: "قانون الستين، وبناءً على الكلام الرئاسي القديم والجديد، هو قمّة الفساد السياسي، وهو ليس القانون الذي يؤمّن صحّة التمثيل وسلامتَه، وتحديداً للمسيحيين، لأنه يُبقي مقاعدَهم رهينةً للأصوات السنّية والشيعية والدرزية. كما يَفتح الستّينُ بابَ الاشتباك السياسي بين القوى المسيحية حتى المتحالفة بعضها مع بعض في محاولةٍ للاستئثار بالعدد الأكبر من المقاعد".
كأس "الستين"!
وسألت "الأخبار": هل يهدّد الرئيس عون بقانون "الستين" بهدف حثّ القوى السياسية على التوصل إلى قانون جديد؟ ام ان "الستين" صار فعلاً خيار الأمر الواقع المفروض على الجميع؟
واعتبرت "الأخبار" أن كل مشاريع القوانين، بلا استثناء، أفضل من العودة إلى الستين، سواء وطنياً، أو "مسيحياً". فلماذا يحشر العهد نفسه في خانة القانون الأسوأ، بدل المبادرة، عبر التيار الوطني الحر، إلى تبنّي قانون لطالما نادى به ووافق عليه سابقاً (النسبية في دوائر صغرى) بعدما وافق عليه الجميع بلا استثناء؟ ولمصحلة من توجيه ضربة من هذا العيار إلى العهد في بدايته؟ وما هو موقف القوى الأخرى؟ ألا تحمل إحداها مبادرة لتجاوز هذا "القطوع" الخطير؟ وماذا عن الفراغ؟ من يضمن إجراء الانتخابات وفق "الستين" بعد حصول الفراغ؟ هل يتم ذلك بلا تعديل للقانون يجعل إجراء الانتخابات بعد انتهاء ولاية المجلس أمراً غير مخالف للدستور والقوانين؟ وماذا عن جلسة 29 أيار التشريعية؟ هل ستشهد تمديداً "تقنياً" يمنع الفراغ بين موعد انتهاء ولاية المجلس النيابي وموعد إجراء الانتخابات وفق "الستين"؟
وأشارت "الأخبار" إلى أن رئيس الجمهورية سيُصدر مرسوم دعوة الهيئات الناخبة قبل يوم أو يومين من انتهاء ولاية المجلس النيابي، لتُجرى الانتخابات قبل 18 أيلول المقبل، فهل ستتم هذه الدعوة "بالتراضي" أم في ظل اشتباك سياسي؟ وفي حال وقع الفراغ النيابي، واستقال وزراء حركة أمل وحلفائهم، فهل ستبقى الحكومة قادرة على تعيين هيئة الإشراف على الانتخابات؟ وهل من تناقض بين موقفَي رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر أمس؟ والأهم من ذلك كله، ما دام "الستين" قدراً محتوماً، فلماذا لا يشرب الجميع هذه الكأس بهدوء، وبأقل الأضرار الممكنة؟