تحت عنوان: الحريري في طرابلس.. "بروباغندا إنمائية"!، كتب غسان ريفي في "سفير الشمال": جميل أن يأتي رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الى طرابلس ليتفقد مشاريعها الانمائية، فهذا من صلب مهامه كرئيس للحكومة، وهذا من أبسط حقوق طرابلس عليه كعاصمة ثانية، بغض النظر عما منحته هذه المدينة من دعم وتأييد تعمدا بالدم نصرة لمشروعه السياسي، ومن أكثرية نيابية في دورتين إنتخابيتين من دون أن يرد لها الجميل، حيث لم تنل الفيحاء منه سوى الوعود.
من المفترض أن يكون الرئيس الحريري قد أيقّن أمس، بأنه لم يف طرابلس حقها عليه، وربما بات على قناعة بأن تقصيره معها ومع أهلها قد تجاوز الظلم الى حدود العقاب الذي جعل نسب الفقر والبطالة تصل الى أرقام مخيفة، وجعل مشاريعها التي تفقدها وكان من المفترض أن تنفذها الحكومات التي ترأسها أو تلك المحسوبة عليه في غياهب النسيان.
في الشكل جاءت برودة الاستقبال الشعبي لتوجه رسالة واضحة للرئيس الحريري بأن الظلم المستمر وسياسة إدارة الظهر، قد بدّلا من مزاج الطرابلسيين الذين باتوا لا سيما بعدما إنكشفت لعبة تحريك الغرائز، يميّزون بين من يقف الى جانبهم ويلبي إحتياجاتهم ويدافع عنهم، ويرمم أسواقهم ومساجدهم ويضع المستوصفات الثابتة والجوالة في خدمتهم، وبين من لا يحصلون منه إلا على وعود غير قابلة للتنفيذ.
أما في المضمون فان الحرمان تحدث عن نفسه أمس وأرخى بثقله على جولة الحريري التفقدية التي شملت مشاريع دخلت لائحة التراث الطرابلسي بفعل السنوات التي مرّت عليها من دون أن تبصر النور فبات عمر أصغرها ثماني سنوات، وأكبرها 13 سنة، لا بل إن بعضها جرى تنفيذه بشكل مغاير لدفتر الشروط ما أدى الى التشويه الذي ينعكس سلبا ومعاناة على أبناء المدينة.
فالأوتوستراد الغربي الذي وضع الرئيس فؤاد السنيورة الحجر الأساس له قبل إنتخابات دورة العام 2009 في جولة إنتخابية إنمائية قام بها آنذاك، لم يُستكمل حتى اليوم، وهو يكاد يدخل "موسوعة غينيس" بسبب فترة الثماني سنوات التي إستغرقها، في حين أن إنجازه بالكامل ما يزال في علم الغيب، علما أن ثلاثة أو أربعة أشخاص ممن كانوا يقفون الى جانب الرئيس السنيورة في وضع الحجر الأساس قد فارقوا الحياة.
أما محطة التكرير التي دشنها السنيورة في الجولة ذاتها، لم تصلها المياه المبتذلة الكاملة حتى الآن، وتعمل بـ 10 بالمئة من قدرتها فقط، لأن ما تبقى منها تحول الى خردة، وهي لم تشملها الزيارة التفقدية للرئيس الحريري الذي إطلع على سوق الخضار الذي بدأ الإعداد لمشروع إنجازه في حكومة الرئيس الراحل عمر كرامي في العام 2004، وبعد مرور 13 عاما، فوجئ تجار الخضار بعد طول إنتظار بأن الشاحنات لا يمكنها الدخول إليه لتحميل أو تنزيل البضائع، كما أنه يفتقر الى البنى التحتية.
أما الارث الثقافي الذي دخل عامه الـ 12 أيضا، فقد إطلع الحريري على الجزء البسيط منه المتمثل بخان العسكر، من دون أن يرى الكوارث الناتجة عنه، والتي تقض مضاجع أبناء الأسواق القديمة والمناطق الأثرية.
وكذلك المبنى الجامعي الموحد الذي تحركت أعماله في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي أقرت له مبلغ 32 مليون يورو، من دون أن تحرّك حكومة سلام أو الحكومة الحالية ساكنا تجاهه، علما أن الرئيس إميل لحود كان وضع له الحجر الأساس في العام 2004.
في حين يأمل أبناء طرابلس أن يسير مشروع البنى التحتية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بشكل سريع لا أن يدخل التاريخ الى جانب أقرانه من المشاريع.
لم تكن طرابلس تحتاج الى زيارة الحريري لتفقد مشاريع تحمل عنوان ظلم الدولة لها، بل كانت تنتظر أن يزورها مدشنا هذه المشاريع، أو أن يفي بكثير من الوعود التي أطلقها تجاه المدينة، وتغاضت عنها حكومتيّ الرئيس السنيورة وحكومة الحريري الأولى، وحكومة سلام، والحكومة الحالية، وهي كانت تنتظر أن يُفسح في المجال أمام حكومة الرئيس ميقاتي للعمل وإنجاز المشاريع التي وضعتها لطرابلس، بدل التلهي في لملمة التداعيات الكارثية لجولات العنف التي أعطى إشارتها يوم الغضب الذي دعا إليه الحريري نفسه، تحت شعار الرد على مشاركة حزب الله في الحكومة، قبل أن يشارك الحزب ويتحاور معه ويتغاضى عن سلاحه، وعن مشاركته في أحداث سوريا وعن تسليمه المتهمين باغتيال الشهيد الحريري الى المحكمة الدولية، ويقدم التنازلات أمامه من أجل الوصول الى الحكم.
على مقربة من المشاريع التي تفقدها الحريري ثمة ورش عمل لا تهدأ في تزفيت الطرقات، وتجميل الروضات الوسطية والحدائق والبرك، وإستكمال تأهيل الجزء الثاني من سوق القمح بعد إنجاز المرحلة، وإيصال مياه الشفة الى المنازل في التبانة، وإعادة تأهيل وترميم السوق العريض ومحيطه، وترميم مسجد العطار ومساجد أخرى أثرية، إضافة الى مشاريع كثيرة يقوم بها القطاع الانمائي في جمعية العزم والسعادة بتوجيهات من الرئيس نجيب ميقاتي وبتمويل منه، ربما تنبّه إليها الحريري أو لفت أحدهم نظره إليها في جولته التي لم تحمل جديدا، في حين كان ينتظر الطرابلسيون أن يحمل الحريري إليهم مبلغ المئة مليون دولار الذي أقرته حكومة ميقاتي للمدينة، أو على الأقل مبلغ العشرين مليون دولار الذي كان أعلن عن تبرعه به لمسح صورة الحرب عن المدينة.
(غسان ريفي - سفير الشمال)