كتبت دوللي بشعلاني في صحيفة "الديار": "فتحت العملية الإستباقية الجبّارة للجيش اللبناني في وادي عطا- شرق عرسال الباب واسعاً أمام أمن مخيمات (أو خيم) النازحين السوريين وخطرها الجاسم على النازحين العزل من جهة، كما على اللبنانيين القاطنين في البلدة وجوارها من جهة ثانية. فتفجير بعض الإنتحاريين أنفسهم لدى مداهمة الجيش اللبناني لمخيمي «القارية» و«النور» للنازحين السوريين فجر الجمعة الفائت يدلّ بشكل واضح على وجود الخطر الفعلي داخلها نظراً لما يُخطّط له الإرهابيون فيها من عمليات إرهابية وتفجيرية في المناطق الداخلية تهدف الى زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد.
ويُشكّل ما حصل، بحسب أوساط ديبلوماسية مواكبة، حقيقة دامغة على أنّ المخيمات العرسالية للنازحين السوريين تحتضن إرهابيين ينوون نقل المعركة التي خسروها في العراق، ويخسرونها اليوم في سوريا الى لبنان عن طريق الإختباء في المخيمات والتلطّي خلف النازحين العزل، ولا أحد يعلم كم من هؤلاء يقومون بتجنيدهم وغسل أدمغتهم للإنضمام الى تنظيم «داعش» وسواه. وهذه الحقيقة على المجتمع الدولي الذي يعمل على مكافحة الإرهاب وحماية النازحين السوريين والمهاجرين من كلّ بقاع الأرض أن يُسجّلها لديه، لا أن يتغاضى عنها لدى مطالبة الحكومة اللبنانية بضرورة إعادة النازحين السوريين الى المناطق الآمنة في بلادهم بالسرعة القصوى نظراً لما لما يُشكّله وجودهم من خطر على الشعب اللبناني.
وهذا لا يعني، على ما أوضحت، أنّ النازحين السوريين هم إرهابيون بكاملهم، غير أنّ التفريق اليوم بين الإرهابي وغير الإرهابي بات صعباً على الدولة اللبنانية لا سيما مع تسلّل التكفيريين الى داخل المخيمات الحدودية ومخيمات الداخل أيضاً. والأخطر أنّهم يجعلون من هذه الأخيرة مقرّاً آمناً لهم يختفون فيه عن أعين الأجهزة الأمنية حيث يتمكّنون من التخطيط للتفجيرات الإرهابية وتحضير الأحزمة الناسفة والعبوات وما الى ذلك.
ووفق بعض المعلومات، فإنّ أعداد هؤلاء الإرهابيين بدأ يتزايد داخل المخيّمات، لا سيما مع تحقيق جيش النظام السوري الإنتصار عليهم في بعض المعارك في سوريا، ما جعلهم يتراجعون الى مناطق أخرى ويتسلّلون منها عبر الحدود السورية- اللبنانية الى عرسال والمناطق الداخلية الأخرى. وهذا الأمر خطير جدّاً، ويتطلّب المزيد من الخطط العسكرية الأمنية الإستباقية كتلك التي قام بها عناصر الجيش منذ يومين، لكن يجب أن تترافق أيضاً مع القرار السياسي بضرورة بدء تنفيذ العودة، وإن كان المجتمع الدولي لا يزال يتردّد في هذا السياق خوفاً من تعريض سلامة النازحين العائدين للخطر.
وإذ بدأت عمليات مداهمة الفوج المجوقل في الجيش اللبناني لبعض مخيمات بلدة عرسال وجرودها حيث يقيم حالياً أكثر من 90 ألف نازح سوري، فإنّه، وفق المعلومات المتوافرة، سيقوم خلال الأيام والأسابيع المقبلة بعمليات نوعية مكثّفة في كلّ مخيماتها التي تبلغ أكثر من مئة مخيم لتنظيف البلدة بكاملها من الإرهابيين. ومن ثمّ سوف يتمّ الإنتقال الى مداهمة بعض المخيمات في مناطق أخرى في الشمال وسواها لتجنيب لبنان من أي تفجير إرهابي متوقّع بعد الخسارة التي يتعرّض لها التكفيريون في دول الجوار.
وفيما يتعلّق بالعودة التي بدأت تتحقّق من قبل بعض العائلات النازحة، من المخيمات العرسالية نحو قراهم السورية مثل عسّال الورد والمعرة والجبة ويبرود، فسببها الأساس هو الحفاظ على سلامتها ممّا يحصل داخل المخيمات التي يستقرّ فيها الإرهابيون ويُهدّدون قاطنيها بشكل مستمر. ثمّ إنّ عمليات المداهمة قد تعرّضهم لخطر الموت خصوصاً إذا ما قام الإنتحاريون بتفجير أنفسهم وسط النازحين خلالها. وقد تمّت عودتهم الى منازلهم، بحسب المعلومات، بعد تسهيلات قدّمها لهم النظام السوري. وثمّة عائلات أخرى تتمنّى العودة أيضاً، غير أنّ الأمر يتطلّب تنسيقاً بين الحكومتين اللبنانية والسورية، فيما لا تزال بعض القوى السياسية في لبنان ترفض الحديث مع الحكومة السورية حول هذا الموضوع كونها لا تعترف بوجودها.
غير أنّ الأوساط نفسها شدّدت على ضرورة التنسيق بين الحكومتين السورية واللبنانية لتأمين عودة النازحين، لا سيما وأنّ المجتمع الدولي لا يُساعد لبنان في المرحلة الراهنة في هذا الإطار، بل يكتفي بزيادة المساعدات للمفوضية العليا للاجئين التي تؤمّن المساعدات الشهرية للنازحين لكي يبقوا حيث هم الى حين إيجاد الحلّ الشامل للأزمة السورية. علماً أنّ العودة التي حصلت حتى الآن، على دفعتين لعدد من العائلات السورية قد تُشجّع نازحين آخرين على الإنتقال من مخيمات عرسال الى قراهم في سوريا.
وإن كان هذا الأمر لا يحلّ أزمة النازحين السوريين في لبنان بشكل نهائي كون عدد العائدين قليل جدّاً نسبة الى عددهم ككلّ في سائر المناطق، إلاّ أنّه قد يُشكّل مخرجاً لبدء تحقيق العودة من دون موافقة المجتمع الدولي. غير أنّ هذا الأخير، بحسب الأوساط، قد يقتنع عندها بأنّها ممكنة عندما يرى بأمّ العين أنّ بعض النازحين تمكّنوا من العودة الى قراهم حيث لا تزال منازلهم سليمة من أي دمار أو ضرر.
ولعلّ هذا الأمر قد يكون دافعاً للمجتمع الدولي لمساعدة لبنان على تحقيق عودة سائر النازحين السوريين تدريجاً من لبنان الى بلداتهم، والى التعاون بهدف تأمين المساكن المؤقتة هناك لبعض الذين فقدوا منازلهم، في انتظار استعادة النظام سيطرته على كامل الأراضي السورية أو إيجاد حلّ نهائي للأزمة فيها. أمّا وقد بدأت عملية تنظيف مخيمات النازحين السوريين في عرسال ومن ثمّ خارجها، فإنّ الجيش اللبناني يطلب اليوم من الأهالي في سائر المناطق التي يقيم فيها النازحون مساعدته على إلقاء القبض على كلّ الذين يعكّرون الأمن داخلها، ويُهدّدون سلامتهم من أجل الحفاظ الإستقرار الداخلي".