أوردت صحيفة "الجمهورية" في افتتاحيتها: ما إنْ دارت عجَلة الدولة بعد عطلة عيد الفطر حتى صارت كلّ الملفات المعقّدة بحكمِ المطروحة على الطاولة السياسية والرسمية. والكلمة الفصل حيالها لدى أهل الحلّ والربط السياسي. وفي انتظار النطق بهذه الكلمة السحرية بقرارات عملية وموضوعية وجدّية تضع تلك الملفات على بساط الترجمة والانتقال بها إلى حيّز التنفيذ الذي طال أمده، وأدخَل البلد في أتون تعقيدات وخلافات حول كيفية مقاربتها وإيجاد العلاج اللازم لها، يبقى الوضع الأمني مشدوداً في الفترة الحالية إلى سلسلة الإنجازات الكبيرة التي يحقّقها الجيش ومعه الأجهزة الأمنية ضد المجموعات الإرهابية، وإلى الإجراءات الأمنية التي تتّخذها المؤسسات العسكرية والأمنية من أجل منعِ أيّ اختراق قد تقوم به تلك المجموعات في الداخل اللبناني. وذلك بالتوازي مع تضخّمِ العبء الكبير الذي بات يشكّله النزوح على الكيان اللبناني، وإلى حدٍّ ينذِر بخطورة كبرى باتت تتطلّب قرارات وخطوات سياسية ورسمية جريئة وضرورية تستجيب للأصوات التي ترتفع على غير صعيد سياسي وروحي وشعبي لرفعِ هذا الضغط عن لبنان الذي يقترب من لحظة الانفجار على كلّ المستويات.مع بدءِ دوران العجَلة، والذي يفترض أن تظهر علائم تفعيله في عمل الحكومة ومجلس النواب في هذه المرحلة، إنفاذاً لِما انتهى إليه اللقاء التشاوري في بعبدا قبل العيد، ما على اللبنانيين إلّا محاولة شراء الأمل في أن ينتهي مفعول تلك القاعدة المجرّبة على مدى السنوات الماضية مع أهل الحلّ والربط السياسي والقائلة "إسمَع تفرَح.. جرّب تحزن"، ربطاً بسيلِ الوعود التي يتبارى السياسيون على قطعِها في كلّ مناسبة، ويزيّنون فيها المستقبلَ بكلام زهريّ جميل تنقصه الترجمة الجدّية والضرورية التي طالَ أمدها، وخصوصاً لِما هو ملِحّ من الملفات الحيوية، من دون أيّ مبرّر أو أسباب مقنعة لهذا التأخير.
والرهان على الجلسة المقبلة للحكومة التي ستنعقد غداً الأربعاء في القصر الجمهوري في بعبدا، وبجدول أعمال فضفاض، على أن تقدّم ولو بعضاً يسيراً من تلك الإجابات.
النزوح بين المتاريس
في مقدّمة تلك الملفات يقع ملف النزوح وربطاً به ملف المخيّمات السورية التي ثبتَ أنّها تشكّل بيئة حاضنة للإرهابيين وملاذاً آمناً لهم، وهذا ما أظهرَته العملية العسكرية النوعية التي نفَّذها الجيش اللبناني في جرود عرسال، حيث عاد هذا الملف ليشكّلَ نقطة إشكال في مقاربته بين القوى اللبنانية، بشكل لا يخلو من مزايدة سياسية دون النظر إلى حجم الخطورة التي يُرتّبها هذا الملف.
ويَبرز هنا التناقض الكلّي في النظرة الى هذا الملف بين "حزب الله" وتيار "المستقبل" وبعض حلفائه. ومن هنا فإنّ مقاربته في مجلس الوزراء مطروحة مبدئياً من خارج جدول أعمال الجلسة بحسَب ما أكّدت مصادر وزارية لـ"الجمهورية"، لكن من دون أن يصل ذلك إلى اتّخاذ قرارات حاسمة في هذا الشأن كونه ملفّاً شائكاً وضائعاً بين المتاريس السياسية المنصوبة من حوله.
وخطورة هذا الملف، عرَضها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة الراعي أمام المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ، التي استقبلها في الصرح البطريركي في بكركي أمس، وأكّدت في تصريح لها "دعم لبنان وشعبه في موضوع النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، الذين هم هنا بشكل مؤقّت، وأهمّية إيجاد حلّ سياسي على الصعيد السوري يكون من شأنه تسهيل عودة النازحين السوريين الى بلادهم وسط ظروف آمنة وفي الوقت الملائم".
ملفّ الكهرباء
وثاني الملفّات الساخنة، هو ملفّ الكهرباء الذي يشكّل عنواناً مشتعلاً ويعلّق العلاقات السياسية بين بعض القوى وخصوصاً بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" وبين "التيار" وحركة "أمل"، على خط التوتّر العالي، من دون أن يقدّم أحدٌ توضيحاً حول القصّة الحقيقية لهذه الأزمة المعمّرة منذ سنين طويلة، ولماذا هي مستعصية على العلاج، وهل هي في دائرة الحلّ فعلاً أم هي في دائرة الصفقات؟ ولماذا نُئيَ بخطة الكهرباء كما طرحَتها وزارة الطاقة عن إدارة المناقصات؟ ولماذا أعيدَت إليها مجدّداً في وقتٍ كان الصراخ والتهديد والوعيد والاتهامات في مستوياتها العليا حوله؟ وماذا ينتظر هذه الخطة؟
وهل ستؤول إلى مصير مجهول في الوقت الذي تؤكّد وزارة الطاقة أنّها ستقَرّ على النحو الذي حدّده الوزير سيزار أبي خليل، فيما يقول معارضو الخطة بأنّها لن تمرّ بالشكل المطروح وأعلنَت "القوات" أنّها ستشكّل رأسَ حربةِ المواجهة لها حتى النهاية.
السلسلة": تصعيد
وفي الموازاة، يقع ملفّ سلسلة الرتب والرواتب، التي بدأت الأرض تسخن تحتَها، وسط مؤشّرات عن حركة تصعيدية ضاغطة تسبق طرحَها على الهيئة العامة لمجلس النواب في جلسة يفترض أن تُعقَد خلال الأسبوعين المقبلين. وفي وقتٍ تبدو الحماسة السياسية خجولة حيال إقرار ملف السلسلة، يبقى هذا الملف الحساس عالقاً بين الدعوات إلى سلسلة متوازنة تُوائمُ بين حقوق الموظفين ووضعِ الخزينة وتتجنّب حجم التضخّمِ الذي يمكن أن ينتج عنها، والأهمّ إخراجها من ميدان المزايدة السياسية وعدم التعاطي معها بمنطق الابتزاز وأخذِ الطلّاب رهائنَ ومتاريس على طريق إقرارِها، على نحو ما تلوح به بعض القطاعات الداعية إليها.
من هنا، يبدو أنّ ملفّ السلسلة مُرشّح للتفاعل تصاعدياً في الأيام القليلة المقبلة، مع اقتراب موعد انعقاد الجلسة التشريعية التي يُفترَض أن تبحث مصيرها في حال لم يتمّ سحبُ المشروع من قبَل الحكومة لإعادة درسه.
وفي وقتٍ بدأت ترتفع الأصوات المدافعة عن إقرار السلسلة، مقابل اعتراضات تُبديها الهيئات الاقتصادية لجهة رفضِ فرضِ ضرائب ورسوم جديدة بذريعة تمويل السلسلة، فقد بَرزت أيضاً في الساعات الأخيرة تهديدات يطلِقها مسؤولون في هيئة التنسيق بضرورة إقرارها قبل تمّوز، وإلّا فإنّ الهيئة ستعود إلى الشارع، وسيَعمد الأساتذة إلى مقاطعة الامتحانات الرسمية في دورتها الثانية لجهة المراقبة والتصحيح.
كما يهدّد الأساتذة بمقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة والمقرّرة في أيار 2018 إذا لم تكن السلسلة قد أقِرّت بعد. ومن المعروف أنّ السلطات تستعين بالأساتذة لتأمين سير العملية الانتخابية في مراكز الاقتراع.
ومِن المتوقع أن يشهد هذا الملف المزيدَ من السخونة والجدالات، خصوصاً أنّ الإشكالات تنوَّعت، وهي تركّز حالياً على أنّ المشروع كما هو موجود في الهيئة العامة للمجلس النيابي غيرُ كافٍ، ويحتاج إلى تعديلات لإعطاء بعض الفئات المغبونة حقوقَها لتكونَ السلسلة عادلة.
(
الجمهورية)