يحصد الحراك العوني المرتقب الاهتمام، كامل الاهتمام. كل يرصده لغاية في نفسه. بعضهم من باب الحشرية لقياس مدى قدرة "أبطال الشارع" في التحكم بمفاصله بعد أكثر من عشر سنوات على الجلوس على كراسي السلطة الوثيرة وترك ميدان النضال (باستنثاء محطة 2007). وبعضهم تسيّره الرغبات الخبيثة التي تتمنى وقوع العونيين في الفخ الذي يحفرونه بأيديهم... وهناك من يحسبها بالنقاط، ويرصد دفتر الحسابات البرتقالي.
ولكن في النتيجة، قلة كثيرة من الناس هي التي ستفرح في حال نجح "مناضلو الشارع" في تحقيق أهدافهم والخروج من هذه الجولة الصعبة رافعي رايات النصر.
وعلى رغم ذلك، فإنّ هذه الفرضية لا تزال بعيدة، لا بل صعبة التحقيق، أقله بالنسبة الى مسيحيي 14 آذار، الذين يترقبون تطورات الأحداث ويرصدون تفاعل الجمهور مع الدعوات العونية لهزّ الأرض من تحت أقدام خصومهم.
في جعبة هؤلاء الكثير من الاعتبارات التي تدعم موقفهم وتدفهم الى وضع أيديهم في الماء البارد، وتطرد الخشية من رؤوسهم من امكانية نجاح "البرتقاليين" في قلب الطاولة رأساً على عقب بواسطة السلاح الأبيض، الذي يعطيه الشارع، ومن شأنه أن يغيّر كل المعادلة.
ويسرد هؤلاء هذه الاعتبارات على الشكل الآتي:
- سبق لهذا الفريق أن خاض تجربة الشارع في وجه قوى 14 آذار خلال العام 2007، هو وحلفاؤه، ولكنّ حراكهم لم يفلح في اخراج فؤاد السنيورة من السرايا الحكومية بسبب الخطوط الحمر الاقليمية التي وقفت سنداً لرئيس الحكومة وفريقه آنذاك. وهذا ما يدلل بشكل لا لبس فيه على أنّ بقاء "العونيين" في الشارع في هذه اللحظة بالذات، التي يعجز فيها لبنان عن ارتقاء سلّم الأولويات والاهمتامات الاقليمية والدولية، لن يغيّر في المشهد الداخلي.
- يبدو الأفق مسدوداً أمام "التيار الوطني الحر" انطلاقاً من المعادلة التي تقول إنّ هدف ميشال عون هو تكريس التعيين في رأس المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإنّ الإخفاق في تحقيق هذا الهدف سيترد سلباً على اللاجئين الى سلاح الشارع، وسيضعهم أمام مأزق صعب قد يضعف موقفهم، ولا سيما أنّ التظاهرات ستحصل في المناطق المسيحية، وبالتالي قد تعرضها للتعطيل والشلل، وقد يرتد هذا الأمر سلباً على المتظاهرين وقادتهم إذا تعطلت مصالح الناس جراء هذ الحراك.
ويستطردون مؤكدين أنّ كل المؤشرات الاقليمية باتت جازمة بأنّ التسوية اللبنانية ليست قريبة أو مطروحة حتى على بساط البحث، وبالتالي فإنّ التصعيد الداخلي لن يقدم او يؤخر أو حتى يساهم في انتاج اتفاق داخلي من شأنه حلحلة عقدتيّ الرئاسة وقيادة الجيش.
واستطراداً صار السؤال على الشكل الآتي: كيف سيخرج "العونيون" من المأزق الذي وضعوا أنفسهم في قمقمه؟ وما هو المخرج الذي سينتشلهم من هذا المغطس في حال راحوا في تصعيدهم نحو الأسوء؟
هكذا يتحول السؤال من: ماذا يهدف "العونيون"... الى ماذا سيحقق "العونيون"؟ اذ ليس المطلوب من هذا الحراك الشعبي عرض عضلات "الجنرال"، ولا عضلات تياره الشعبي طالما أنّ الجميع يعترف بحيثية هذا الفريق في الشارع المسيحي ومكانته بين ناسه بمعزل عما تثبته استطلاعات الرأي وتبيّنه، ولكن مع ذلك تبقى "النزلة" الى الشارع اختباراً لا يمكن الهروب من نتائجه، ولا سيما إذا أتت مخيبة للآمال.
هكذا قد تصير "الثورة البرتقالية" من دون هوية تعرّف عنها ومن دون خارطة طريق تقودها، ما يعني، وفق الآذاريين أنّ فشلها حتمي. وكأن هذا الفريق يهرب الى الأمام ولا يسعى الى البحث عن حلّ. لا بل قد يزيدها تعقيداً وتأزيماً، في الوقت الذي تحاول قوى 14 آذار أن تمررالوقت على طريقة ادارة الأزمة وليس فكفكة ألغامها في انتظار أن يأتي الحل على متن التسويات الكبيرة، لتقطف ثمارها.