تحت عنوان "وقائع لا تُطمئن !" كتب نبيل هيثم في صحيفة "الجمهورية": عوّل اللبنانيون على أنّ عطلة عيد الفطر ستشكّل الحد الفاصل بين مرحلة خلافية في السياسة والانتخابات وشديدة التعقيد على مستوى الملفات المتراكمة التي باتت تحتاج الى علاج سريع، ومرحلة تُفتَح فيها صفحة جديدة من المقاربات لكل الشأن السياسي، وكذلك لكل تلك الملفات، عنوانها التفعيل والانتاجية على المستويين الحكومي والمجلسي، ربطاً بطاولة بعبدا التي جمعت رؤساء الاحزاب الحاكمة، ورسمت خريطة طريق العمل في مرحلة ما بعد العطلة.جاءت العطلة، وعَيّد المسؤولون، وسافروا، وهيّصوا، وعادوا بكل نشاط الى حقل العمل، ولكن أولى الصور التي تَبدّت في مرحلة ما بعد العطلة التي كان يفترض ان تكون ماكينات التفعيل والانتاج قد تمّ تزييتها وملئت خزاناتها بالوقود السياسي والمنشّطات الحيوية للتصدي للمهمة الجليلة التي تنتظر أهل الربط والحل السياسي، أفرزت مشاهد ووقائع من نوع آخر، مخالفة لكل الوعود التي قطعت ولا تبعث على الاطمئنان:
- المشهد الاول، انّ الانسجام السياسي، الذي حكم مرحلة ما قبل الوصول الى القانون الانتخابي، يبدو انه اقترب من انتهاء صلاحيته. وكل طرف خلع قناعه وقفازاته التي أملتها تلك المرحلة وعاد الى التمَوضع خلف عناوينه وأولوياته وداخل حدود مصلحته. وتؤشِّر مواقف بعض القوى السياسية وكأنّ أصحابها يبحثون عن مشكل بأيّ ثمن وتحت أي عنوان!
- المشهد الثاني، معطوف على المشهد الاول، ويتبدّى فيه اشتداد حرارة الجمر الموجود تحت الرماد السياسي، وهو ما تجلّى في رفع المتاريس والاشتباك الداخلي على حلبة العملية العسكرية التي نفّذها الجيش اللبناني في مخيمات النزوح السوري في منطقة عرسال، وتَقصُّد بعض الاصوات السياسية في الداخل، حَرف الانتباه عن حجم ونوعية الانجاز الذي تحقق من خلال هذه العملية، وتغليف تلك المخيمات بطابع إنساني مفتعل، وإطلاق ما يشبه "المندبة السياسية" عليها، حَجبت ما تشكّله المخيمات في منطقة عرسال تحديداً من بؤر إرهابية شديدة الخطورة على الداخل اللبناني، ووضعت الجيش، في الموقع الذي يتلقّى فيه سهام الاتهام بدل ان يوضع في الموقع الذي يتلقّى التهاني.
أكثر من ذلك، فرزت الحكومة بين محور مؤيّد للخلاص من هذه "الدمّلة" والتنسيق مع الجانب السوري في هذا الخلاص، وكذلك في التخفيف من العبء الثقيل الذي يشكله النزوح السوري على المجتمع اللبناني ومكوناته كلها، وبين محور رافض ومعارض لذلك بشكل قاطع. ويتسلّح هذا المنطق المعارض بأنّ هذا الملف هو من المواضيع الخلافية التي تمّ الاتفاق مُسبقاً عليها بين قوى سياسية معيّنة على ان توضع جانباً.
متجاوزاً بذلك الوقائع التي تحيط بهذا الملف سواء التطورات المتسارعة في الجانب السوري والانهيارات في صفوف المجموعات الارهابية، أو مخيمات النزوح نفسها التي لا يستطيع أصحاب هذا المنطق أن ينفوا الخطر على لبنان الكامن فيها ويتعاظم داخلها يوماً بعد يوم، على النحو الذي لا يجعله من النوع الذي يمكن ان يوضع جانباً، بل يجعله ملفاً ملحّاً ومرتبطاً بمصلحة لبنان العليا وأمن اللبنانيين، ويتطلّب العلاج الفوري، السياسي والجراحي.
- المشهد الثالث، إهتزاز الثقة، الهشّة أصلاً، بين الجبهات السياسية، وهو ما عَكسه ملف الكهرباء وفق خطة وزارة الطاقة ليس فقط من خلال الخلاف السياسي حوله، ولا من خلال التباينات حول أرقام المبالغ المقترحة لاستئجار بواخر التغذية، بل للالتباسات التي شابَته مؤخراً بعد "العثور" بصريق الصدفة او عمداً، في متن قرار مجلس الوزراء بإحالة هذا الملف الى دائرة المناقصات، على ما اختلفت التسميات حوله بين من سمّاه بـ"تزوير"، وبين من سمّاه بـ"تعديل"، وبين من سمّاه ـ "خطأ مطبعي"... وهو ما طوّق "المعثور عليه" بطبقة سميكة من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول ايّ من هذه التسميات هي الدقيقة، وكذلك حول من "زوّر" او "عدّل" او "صحّح"، وكيف اكتُشف ذلك ومن اكتشفه؟ ومن أوعَز بـ"التزوير" او "التعديل" او "التصحيح"؟ وأهمّ من كل ذلك كيف تمّ المرور مرور الكرام على أمر يتطلّب ولو الحد الأدنى من التحقيق والمساءلة؟ وهل ثمة من تمّت مساءلته في هذا الموضوع؟
- المشهد الرابع، حالة تخبّط واضحة تضرب الطاقم السياسي، وهي نتيجة طبيعية للانقسام الحاد في ما بينه، وهذا يعني انّ أهل السياسة، في غالبيتهم، لم يهضموا بعد المرحلة الجديدة التي فتحها إقرار القانون الانتخابي الجديد. فـ "لقاء بعبدا" رسم طريق الاولويات، لكنّ هذا اللقاء يكاد يكون مجرّد مناسبة اجتماعية بلا أي محتوى، اكثر ممّا هو لقاء بهدف التنشيط والتفعيل.
لقراءة المقال كاملًا
إضغط هنا
(نبيل هيثم - الجمهورية)