تحت عنوان "تغييرات البيت الأبيض لن تؤثر في استراتيجية إيران" كتبت جويس كرم في صحيفة "الحياة": منذ ٢١ تموز وحتى اليوم استقال أو أُقيل ستة مسؤولين في البيت الأبيض، ثلاثة منهم من مجلس الأمن القومي وهم مديرو الشرق الأوسط والاستخبارات والتخطيط الاستراتيجي ديريك هارفي وإيزرا كوهين واتنيك وريتشارد هيغينز، ومن حول الرئيس مدير الفريق رينس بريبزس ومسؤول الاتصالات أنتوني سكاراموتشي والناطق شون سبايسر. فهم إشكالية هذه الاستقالات وتوقيتها وتأثيرها في سياسة دونالد ترامب الإقليمية والاستراتيجية المنتظرة حيال إيران تندرج في شقين. الأول يفترض، بطبيعة الحال، فهم أسباب هذه التغييرات وأثرها على دوائر النفوذ في إدارة ترامب، والثاني هو في النظر بالتعيينات الجديدة وما تعنيه داخلياً وخارجياً. وعموماً تحيط الأبعاد الشخصية والفوضى اليومية والشرخ بين مستشاري الحملة والجنرالات حملة الاستقالات.
خروج ديريك هارفي كمستشار للشرق الأوسط، وهو كان كولونيل في الجيش الأميركي ومقرب من ديفيد بترايوس، لا يرتبط وفق مصادر أميركية بملف إيران وما ذُكِر بداية بأنه أكثر تشدداً من البقية. فطرده منذ عشرة أيام جاء بأمر من مستشار الأمن القومي الجنرال المتقاعد هربرت ماكماستر وهو نفسه من الصقور حول إيران في الإدارة الأميركية. وتعزو المصادر إقالة هارفي إلى خلافات شخصية وصعوبة في العمل معه والتنسيق مع وزارة الدفاع والكونغرس. فهارفي تم تعيينه من جانب مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، وحاله حال هيغينز وكوهين، هو من المقربين من جناح ستيف بانون في البيت الأبيض، والذي دخل اليوم معركة مفتوحة مع ماكماستر.
وحتى إذا نظرنا في رصيد مايكل بيل الذي تم تعيينه خلفاً لهارفي مديراً لمكتب الشرق الأوسط، فهو أيضاً من المؤيدين لسياسة أكثر تشدداً حيال إيران وصاحب خلفية عسكرية وشارك في حرب تحرير الكويت. وعلى هذا الأساس تندرج التغييرات في مجلس الأمن القومي في سياق تطلع ماكماستر إلى ضبط إيقاع صنع القرار فيه، وتكوين فريق أكثر اطّلاعاً ونضجاً وانسجاماً في العمل المشترك وليس بالضرورة إيران التي لا خلاف في قراءة دورها الإقليمي وتقديم خيارات لترامب للتصدي لنفوذها. وتأتي الأسباب الشخصية أيضاً لتبرر استقالة إيزرا كوهين واتنيك (٣١ عاماً) وهو علم بإقالته من الإعلام الأميركي وسيتم استبداله بشخصية استخباراتية "أكثر نضجاً".
يبقى أن تعيين جون كيلي مديراً للفريق الجديد هو أهم هذه التغييرات، والجنرال السابق بدأ وفق "نيويورك تايمز" بـ "عسكرة نهج" وآلية العمل في البيت الأبيض. هذا التحول هدفه إنهاء ستة أشهر من الفوضى والتشرذم في الفريق الرئاسي عجز خلالها ترامب عن تمرير تشريع واحد في الكونغرس وسجل فيها الإعلام الأميركي رقماً قياسياً للتسريبات مثل نص مكالمات هاتفية لترامب، إلى العراك الداخلي، إلى تحركات العائلة ومن يدخل ومن يبقى خارج المكتب البيضاوي. كل ذلك يريد كيلي إيقافه وبدأ بإغلاق باب مكتب ترامب وعدم السماح حتى للابنة إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر، الدخول من دون استشارة كيلي أو استدعاء مباشر من الرئيس.
نهج كيلي واحتمال تعيينه ديفيد لابان - وهو أيضاً من الجيش الأميركي - مديراً للاتصالات، يعني تحالفاً عملياً بينه وبين ماكماستر في نقل آلية العمل في الجيش إلى البيت الأبيض. فالذي ينفذ الأوامر يبقى، والذي يخالف ويسرب، قد يصبح في خانة المسؤول السابق.
أما الاستراتيجية حول إيران فهي ما زالت قيد المراجعة واقتربت الإدارة من إنجازها. والمؤشرات بمعظمها تعكس استعداداً وإصراراً من الفريق السياسي الأميركي على التصدي لطهران بسلاح العقوبات وبإعادة التشكيك في جدوى الاتفاق النووي الإيراني. ويبدو أن المعضلة الأساسية التي تواجهها الإدارة هي حدود المواجهة مع إيران في سورية، فليست هناك نية لإرسال قوات أميركية أو خطة واضحة ما بعد "داعش". وهناك فقط التعويل على الجانب الروسي بإضعاف دور إيران مقابل تعاون أكبر مع واشنطن، على رغم تشكيك كبار المسؤولين في إمكان حدوث ذلك.
ما هو محسوم أن الفريق الجديد مع عودة الجنرالات إلى البيت الأبيض ينذر بنهج أكثر انضباطاً وصرامة من فريق ترامب في رسم السياسات والتعاون مع الوكالات المختلفة. وهو أولاً وأخيراً بات ضرورة داخلية لإنقاذ سفينة ترامب بعد ستة أشهر فاشلة وعقيمة تشريعياً للجمهوريين.
(جويس كرم - الحياة)