كتب نبيل هيثم في "الجمهورية": يَقف لبنانُ على مفترقٍ حاسم في شهر آب الجاري، بالنظر الى ازدحام الملفّات الكبرى المرتبطة فيه، في الداخل وفي المنطقة. وكلّ ملفّ منها ينطوي على حساسيّة بالغة، وعليه تتحدَّد الوجهة الداخليّة سواءٌ نحو الانفراج أو نحو مزيد من التباين والتصعيد والاختلاف.داخلياً، يَقع في المقدمة، ملفُّ سلسلة الرتب والرواتب والضرائب الملحقة بها لتغطية أكلافها، والأيام القليلة المقبلة ستُحدّد مسارها، إمّا في اتجاه نشرها في الجريدة الرسمية وبالتالي نفاذها، ولهذا الاتجاه شريحة تؤيّده وتستعجله، وإمّا في اتجاه الردّ الى مجلس النواب لإعادة النظر فيها، ولهذا الاتجاه أيضاً شريحة تُؤيّده وتستعجله.
معنى ذلك، أنّ هذا الملف يَسير على حدّ السكين بين الشريحتين، ذلك أنّ أيَّ اتّجاه ستسلكه السلسلة سيوصل حتماً الى "حلبة الاشتباك" ، بحيث ستدخل إليها الشريحة التي ستعتبر نفسَها متضرّرة، وربطاً بالمواقف التي تُطلق من كلا الاتجاهين وتُهدّد بالثبور وعظائم الأمور، فإنّ باب التصعيد والتحرّك الذي تقوم به، سيكون مفتوحاً على شتى الاحتمالات السلبية، وفي النهاية القرار في يَد رئيس الجمهورية.
على أنّ خطورة هذا الملف تكمُن في تزامنه مع إعداد مشروع قانون الموازنة العامة الذي يُفترض أنّه اقترب من أن يُطرح على الهيئة العامة لمجلس النواب قبل نهاية الشهر الجاري.
وثمّة مَن يقول هنا إنّ من شأن ردّ السلسلة أن يُعيد تصويب المسار عبر إعادة إجراء قراءة متأنّية لها تجنّب بروز أيّ مفاعيل سلبية لها، وتُحصّن بالتالي الموازنة بحيث تكون السلسلة منسجمة معها لا عبئاً عليها.
ولكنّ في المقابل، ثمّة مخاوف جدّية يطرحها بعض السياسيّين من أنّ ردّ السلسلة الى مجلس النواب لا يُطيّرها وحدها فقط، وإنّما قد يُطيح بالموازنة أيضاً خصوصاً إذا كان القصد من هذا الردّ دمجهما معاً أو ربطهما ببعضهما البعض، وهذا معناه العودة بالأمور - في ما خصّ السلسلة - الى نقطة الصفر.
أما في ما خصّ الموازنة، فعودةٌ الى المراوحة من جديد في سلبيّة القاعدة الإثني عشرية التي تتحكّم بالصرف منذ العام 2005، ويعني ذلك مزيداً من الجمود والعجز والتراجع.
وفي الداخل أيضاً يقع ملفّ الانتخابات النيابية الفرعية الذي ما زال عالقاً داخل بعض المزاجيات السياسية. فشهرُ آب الجاري يُشكّل شهرَ التأسيس لإجراء هذه الانتخابات، سواءٌ في الفترة المتبقّية منه أو خلال الفترة التالية لها، وقبل 21 تشرين الثاني المقبل بحسب ما تنصّ عليه المادة 41 من الدستور التي توجب إجراء الانتخابات الفرعية قبل ستة أشهر من انتهاء ولاية المجلس، أي في 21 أيار 2018.
كان يُفترض إجراء هذه الانتخابات فور إقرار القانون الانتخابي الجديد، وبعد إنجاز كلّ الأمور اللوجستية الممهّدة لها، ولكن ما جرى في سياق تحضير تلك اللوجستيات لا يَشي بحماسة لإنجازها، بل بالعكس هناك برودة تامّة على هذا الصعيد، والأطراف السياسية المعنيّة مباشرة بهذا الاستحقاق تبدو في حال استرخاءٍ تام، وعلى ما يقول أحد المسؤولين "لقد تبلّغتُ شخصياً من أحد المعنيّين الأساسيّين والمباشرين بالانتخابات الفرعية أنهم ليسوا في صدد إجرائها لا في كسروان ولا في طرابلس، ولم يقدّم لي أيّ سبب مقنع لعدم إجرائها. مع أنّني أعرف كما يعرف الكثيرون غيري أنّ السبب الذي يتذرّعون به هو خوفهم من الدخول في امتحان الشعبية".
واضح هنا أنّ الجمرَ كامنٌ تحت رماد الانتخابات الفرعية، ولن يكون مفاجِئاً أو مستغرَباً إن فُتح باب الاشتباك السياسي حول هذا الملف قريباً بين المتهرّبين من هذه الانتخابات وبين القائلين بوجوب التقيّد بالنص الدستور الذي لا يجوز أبداً مقاربة مواده بصورة انتقائية، بحيث يُطبّق وفق الظرف السياسي الذي يراه «المطبِّق» مؤاتياً له، وعندما يرى في هذا التطبيق فرصةً لممارسة ضغوط على قوى سياسية أخرى، ويُصرَف النظر عن هذا التطبيق ويُوضع الدستور على الرفّ عندما يشعر مَن يجب عليه أن يُطبّق الدستور بأنّ الموسى قد تصل الى لحيته، هذه هي الشرارة التي ستُشعل الاشتباك، والتي ستُحرِج كثيرين وخصوصاً مَن هم في المراتب السياسية والرسمية الرفيعة.
وعلى حلبة شهر آب أيضاً، يتربّع الملف الساخن المتعلّق بالحرب على الإرهاب الداعشي في جرود رأس بعلبك والقاع، والذي تعالت الأصوات من كل حدبٍ وصوب داخلي لإيكال مهمّة تنظيف الجرود من هذا الإرهاب إلى الجيش اللبناني، وليس الى "حزب الله" على ما جرى في جرود عرسال وطرد إرهابيّي "جبهة النصرة" منها.
الأكيد أنّ قرارَ هذه المعركة وتوقيتها هو في يد قيادة الجيش لتحديد ساعة الصفر وبدء الزحف نحو المواقع الإرهابية في الجرود.
المناخ العام، أنّ آب هو شهر الحسم في تلك الجرود، إذ لم يعد هناك من مجال إلّا لتحريرها من "داعش"، والجيش يملك كلّ المقوّمات لتنفيذ هذه المهمة. ولكن على ما يقول مسؤول كبير "دعوا الجيش يُحضّر خطته، واتركوه يعمل بلا أيّ تشويش.
لقراءة المقال كاملا
اضغط هنا
(الجمهورية)