كتب جوني منير في صحيفة "الجمهورية": "باشرت وحدات النخبة في الجيش اللبناني عمليّة استرجاع جرود رأس بعلبك والقاع من تنظيم «داعش»، وفق خطة مقسّمة على مراحل عدة وتعتمد في بعض جوانبها على عنصر المفاجأة وتفكيك الترابط بين المجموعات الارهابية. وبَدا واضحاً أنّ المرحلة الاولى التي بدأت كَلّلها النجاح وأظهرت الخطة المحكمة الموضوعة، والتي أشبعت درساً قبل اتخاذ القرار بالهجوم.وعند المقلب السوري إندفع الجيش السوري ومعه وحدات من «حزب الله» للسيطرة على المنطقة السورية من «إمارة» داعش، التي كانت تجمع بين الجرود اللبنانية والسورية.
كان لافتاً التزامن في انطلاق العمليات العسكرية عند كلا الجانبين اللبناني والسوري، وهو ما تُحتّمه ضرورة نجاح العملية العسكرية برمّتها، ولو أنّ قيادة الجيش اللبناني حرصت على خوض المعركة في الأراضي اللبنانية باستقلالية كاملة ومن دون أيّ تنسيق أو مشاركة من أحد، إلّا أنّ الترتيبات الميدانية تفرض تفاهمات معينة.
فالتزامن في التوقيت يؤشّر الى وجود تفاهم لم يرقَ الى مستوى التنسيق الكامل. وهو في الوقت نفسه يؤشّر الى التفاهم العسكري الاميركي - الروسي السائد في سوريا، والذي امتدَّ الى الجبهة اللبنانية، وهنا بيت القصيد.
خلال الأشهر الماضية، ظهر ما يُشبه التفاهم الكامل بين واشنطن وموسكو حول مسار الحرب في سوريا والخطوط العريضة للمرحلة المقبلة. وتكفي الاشارة الى ما تحقَّق حول مناطق وقف إطلاق النار، والتي جاءت باكورته من الجنوب السوري أكثر المناطق حساسية ودقة وتعقيداً، والتي تضمّنت وجوداً خالياً من القوات الايرانية و«حزب الله» بعمق 30 كلم في مقابل فتح الطريق بين سوريا والعراق.
وبَدا واضحاً أنّ واشنطن لزَّمت موسكو جانباً أساسياً من الملف السوري إنطلاقاً من تفاهم عريض بينهما.
وفي الأروقة الديبلوماسية الروسية، كما الأميركية، كلام عن أنّ الحرب السورية انتهت وأنّ ترجمة هذا القرار على الارض ستتطلب وقتاً يُقارب السنة، وهي المدة التي سيتطلّبها مشروع تعميم مناطق وقف إطلاق النار وإنهاء «داعش» من دير الزور، وترتيب واقع إدلب، وتكريس التسوية السياسية التي تقوم على أساس تقاسم السلطة، والذي يشبه في جانب منه «اتفاق الطائف» اللبناني، وهي الفكرة التي يجري التداول فيها منذ نحو 3 سنوات.
ولكنّ العبور الى مرحلة إعلان انتهاء الحرب في سوريا، والذي تقدّره واشنطن وموسكو بنحو السنة، سيكون صعباً وقاسياً ودموياً. صحيح أنّ معركة الرقة سارت كما هو مخطّط لها ومعارك جرود لبنان من المفترض أن تُحقّق نجاحاً أكيداً، إلّا أنّ معركة دير الزور تبدو اكثر صعوبة وتعقيداً ممّا يتخيّله البعض. فعدا عن أنها تُشكّل الملاذ الأخير لدولة «داعش»، إلّا أنّ التحضيرات العسكرية الأميركية لا تبدو كافية حتى الساعة لإطلاق معركة ناجحة.
وفي المقابل، تُحاول قيادة «داعش» رَمي كل أوراقها الارهابية لإرهاب العواصم الغربية، كما هو حاصل في أسبانيا وفنلندا وألمانيا وروسيا وأوستراليا. حتّى في لبنان تحرّكت المجموعات الموالية لـ«داعش» داخل مخيم عين الحلوة وافتَعلت اشتباكات لإشغال الدولة اللبنانية والسعي إلى تخفيف الضغط عن معركة «فجر الجرود».
وفي دير الزور، حيث المساحة ضعف مساحة الرقة، وحيث المناطق الصحراوية والمعابر الحدودية، بَدا أنّ «داعش» يتحضَّر جيّداً للمعركة، فاتخذ التنظيم قراراً بتجنيد جميع الشبّان بين 20 و30 سنة وأنجَز خطّة دفاعية جديدة، ونقَل مقرّ عملياته الإدارية الى مدينة «الميادين».
أمّا التعقيدات التي تُواجه الأميركيّين، فإنّها تتعلّق بالقوى التي ستتمركز في المنطقة والحدود المسموح لها بالسيطرة عليها، خصوصا أنّ المشاركة الكرديّة لا تبدو قادرة على أن تكون فعّالة كون دير الزور خارج العمق الجغرافي لـ«وحدات حماية الشعب الكردي".