تحت عنوان "العلاقات الأميركية المصرية: من يخطئ بقراءة مَن؟"، نشرت صحيفة "دايلي تايمز" تقريرًا تناولت فيه القرار الأميركي الأخير بحجب مساعدات إقتصادية وعسكرية لمصر، تبلغ قيمتها أكثر من 300 مليون دولار. وسألت هل قطع وتأجيل المساعدة الأميركية كان مفاجئاً للقاهرة؟ من كان متأكدًا من الدعم الكامل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟
قرار حجب المساعدات
في 22 آب، أعلنت الخارجية الأميركية قطع المساعدات العسكرية والإقتصاديّة عن مصر بحجة أنّها لم تحرز أي تقدّم ملموس بما يتعلق باحترام حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية.
القاهرة ردّت بهدوء على القرار، معتبرةً أنّه يعكس سوء تقدير لطبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين على مدار عقود طويلة. ولفتت الى أنّه يقلّل من أهمية الإجتماع الذي عقد بين وفد أميركي برئاسة جاريد كوشنير كبير مستشاري ترامب إلى القاهرة، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. إلا أنّ ترامب أجرى اتصالا هاتفيًا بالسيسي بعد أيّام من القرار، وأكّد حرصه على العلاقات الثنائية.
"الأخوان" أم كوريا الشمالية؟
يناقش خبراء أميركيون سبب قطع المساعدات، وإن كان يعود حقيقةً الى تدهور حقوق الإنسان في مصر أم يرتبط بعلاقات القاهرة مع كوريا الشمالية.
وبحسب الصحيفة فإنّ حجم الدعم المصري لكوريا معروف ويمكن أن يكون أزعج واشنطن لدرجة جعلها تقطع المساعدات بشكل مفاجئ. ومن جهة مصر، فهي تريد أن تتلقّى الدعم الأميركي كاملاً، إلا أنّها تحافظ في الوقت عينه على الإستقلال بالقرار عن واشنطن، كما أنّها تعتبر أنّه يجب مكافأتها لأنّها تُحارب الإرهاب على أرضها، وبذلك تقدّم خدمة للعالم وتستبق توسّع الإرهاب نحو الغرب.
وأوضحت الصحيفة أنّ المقرّبين من النظام المصري مقتنعون بأنّ "الإخوان المسلمين" دخلوا الى إدارة ترامب، وأثّروا بقرار المساعدات. كما أنّ الإعلام المصري التابع للنظام الحاكم يصف السفير الأميركي السابق في مصر بأنّه "عميل للإخوان المسلمين".
علاقات تاريخية بين مصر وكوريا الشمالية
توازيًا، فقد نشرت مجلة "ذا ديبلومات" الآسيوية مقالاً للخبير بالعلاقات الدولية سامويل راماني، والذي أكّد أنّ السبب الرئيسي لهذا القطع المفاجئ للمساعدات هو العلاقات الإقتصاديّة والأمنية مع كوريا الشمالية، بحسب ما نقل عن عدد من الخبراء.
وعلى الرغم من أنّ مصر بطليعة الحلفاء لواشنطن في الشرق الأوسط منذ العام 1970، فلا تزال أبرز الشركاء التجاريين لبيونغ يانغ في العالم العربي. ولفت الكاتب الى أنّ العلاقات الوطيدة مع كوريا الشمالية "تاريخيّة"، وقد ولدت من خبرات الحرب الباردة، ومصر تستفيد كثيرًا من التكنولوجيا العسكرية لكوريا منذ السبعينيات.
وعلى الرغم من أنّ السياسية الخارجيّة لمصر مرّت بتغيّرات منذ أن استلم الرئيس جمال عبدالناصر الحكم عام 1952، فالعلاقة القوية بين كوريا ومصر بقيت تتمتّع بميزة ثابتة. وعندما صمد عبدالناصر أمام التدخّل العسكري البريطاني والفرنسي والإسرائيلي، كيم إيل سونغ الذي كان حاكم كوريا أرسل هبة صغيرة وهي عبارة عن مساعدة ماليّة لمصر، كان لها أهميّة كبرى، لدعم عبدالناصر ضد التحدي الإمبريالي.
والحلف بين القاهرة وبيونغ يانغ يعود الى العام 1961، حين قدم وفد ديبلوماسي الى القاهرة لإقامة قنصلية. وقدّمت كوريا الدعم الديبلوماسي للجهود المصرية الآيلة الى دفع القوات البريطانيّة من جنوب اليمن، كما أدانت الحرب الإسرائيلية عام 1967. هذا الأمر دفع حسني مبارك الذي كان قائد القوات الجوية المصرية أثناء حرب الـ1973، الى تطويع طيّارين كوريين لمساعدة مصر ضد إسرائيل. ونتيجة العلاقات المتوطّدة، مبارك زار بيونغ يانغ 4 مرّات من العام 1983 وحتى 1990 وبدأت حينها الإستثمارات المصرية في الإقتصاد الكوري.
ومن أبرز الأدلّة على الإستثمارات هو الصفقة التي أقامها رجل الأعمال المصري الملياردير نجيب ساويرس، رئيس مجلس إدارة "أوراسكوم للاتصالات" حيثُ عقد إستثمارًا في شركة "كوريو لينك"، ما جلب 300 ألف مشترك جديد من كوريا الى "أوراسكوم"، كما أنّ الزيارات المتتابعة لساويرس الى بيونغ يانع عزّزت العلاقات الإقتصادية مع كوريا.
ولفت الكاتب الى أنّ مرفأ بور سعيد يستخدم كنقطة عبور لتصدير كوريا الشمالية الأسلحة الى أفريقيا، والسيسي كما أسلافه، رفض العقوبات الأمميّة على كوريا.
والجدير ذكره أنّ كوريا الشمالية ساهمت في تدريب علماء مصريين ليتمكّنوا من إنتاج أنظمة للصواريخ، الأمر الذي مكّن مصر من تعزيز قوّتها العسكرية بدون حصر ارتباطها بشكل وثيق بموسكو وواشنطن فقط.
(ذا ديبلومات - دايلي تايمز - لبنان 24)