كتبت دوللي بشعلاني في صحيفة "الديار": يحاول البعض تظهير صورة أنّ مستقبل "حزب الله" في لبنان سيكون باهراً لجهة السيطرة على الوضع الداخلي بفعل تحقيق الإنتصارات في جرود عرسال و"إن عدتم عدنا" في الجانب السوري، وقدرته على فرض التفاوض على "جبهة النصرة" و"داعش" من دون الموافقة الرسمية من الحكومة التي يقف فريق فيها ضدّ قيام الحزب بمعركة الجرود، كما ضدّ تدخّله في المعارك الدائرة في المنطقة.
ولأنّ البعض يخشى من أن يهيمن "حزب الله" على الداخل في المرحلة المقبلة، لا سيما من خلال الإنتخابات النيابية التي جرى تأجيلها الى أيار من العام المقبل من أجل تحقيق النصر وتطهير المناطق اللبنانية الحدودية من التنظيمات الإرهابية أولاً، وتعويم النظام السوري الذي ساعد أيضاً في التخلّص من الإرهابيين، ومن ثمّ الإستحواذ على رضى الفريق السياسي المعارض لسلاحه غير الشرعي، تُطمئن جهات سياسية الى أنّ ذلك لن يحصل، مؤكّدة أنّ "هذه المخاوف ليست في مكانها".
وذكرت بأنّ أكثر ما يريده الحزب هو تحسين العلاقة مع سوريا من أجل تسهيل عودة النازحين السوريين الى بلادهم، لا سيما بعد أن تمكّن الى جانب الجيش اللبناني من دحر الإرهابيين وإعادة الطمأنينة الى اللبنانيين الذين يسكنون في المناطق الحدودية البقاعية والشمالية، والى المواطنين ككلّ. يبقى عبء النزوح الذي يُخيّم على كاهل الحكومة والشعب، ولا يُمكن التخفيف منه من خلال المساعدات التي تعطيها الدول المانحة للمنظمات الدولية ولا سيما المفوضية السامية في الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وإذا ما بقي النظام السوري في مكانه، وعلى ما يبدو أنّه باقٍ حالياً إذ لا يبدو أنّ ثمّة حلاً دولياً شاملاً سيسلك طريقه قريباً للأزمة السورية، فلن يضرّ لبنان أن يبقي علاقته جيّدة معه بهدف حلّ المشاكل العالقة بين البلدين. وفيما بعد ذلك، فلتقرّر الحكومة إذا ما كانت تريد تجميد العلاقات اللبنانية- السورية مجدّداً أو قطعها الى حين. وأكّدت بأنّ الحزب بالتالي لا يُمكنه أن يضغط على الحكومة مجتمعة للقيام بما ترفض القيام به، لهذا فعليها أن تقتنع بما يجب أن تفعله من أجل مصلحة لبنان واللبنانيين قبل أي جهة أخرى.
وبحسب رأيها، فإنّ اللبنانيين افتخروا بجيشهم لما قام به في الجرود من انتصار كبير وسريع، وإن لم يُكمل المعركة بعد استسلام الدواعش، وعدم تعاطيه بالتالي مع المستسلمين بالمثل، إذ لم يعمد لا الى أسرهم ولا الى قتلهم أو تصفيتهم، ولم يُعطوا الحزب وحده بالتالي الفضل في تحرير الأراضي اللبنانية الحدودية مع سوريا من التكفيريين، على عكس ما يعتقد البعض، بأنّ الحزب هو الذي حصد أو أنّه سيحصد "الجوائز" في المرحلة القادمة.
فتقاسم الإنتصار بين الجيش و"حزب الله" ينطلق، بحسب الأوساط نفسها، من مقولة "الجيش والشعب والمقاومة" والتي التزمت بها حكومة الرئيس سعد الحريري الحالية من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية. وبناء على ذلك، فإنّ الإنتصار الأخير للحزب ليس جديداً عليه لكي يستثمره في الداخل، على ما يرى البعض. كما أنّه يعلم تماماً أنّه عندما يحين الوقت المناسب فإنّ موضوع الاستراتيجية الدفاعية سيُبحث، إن لم يكن على طاولة الحوار في لقاءات بعبدا التشاورية، فداخل الحكومة.
غير أنّها كشفت بأنّ سلاح الحزب ليس موضوعاً للنقاش في المرحلة الحالية، مشدّدة على أنّ الإنتخابات النيابية القادمة سترسم عنوان المرحلة المقبلة من خلال تحديد أحجام كلّ الأحزاب المشاركة فيها، فالنظام النسبي يعترف بالجميع من حيث التمثيل لكنّه يُظهر الحزب الأقوى على الساحة الداخلية. وأوضحت بأنّه مع تحديد الأحجام السياسية، فإنّ الحزب الأكثر تمثيلاً لا يُهيمن على الأحزاب الأخرى بل يتقاسم السلطة معها حتى موعد الإنتخابات التالية.
والمعروف أنّ الحكومة الحالية تتحاشى اليوم الخوض في الملفات الخلافية تجنّباً لأي انقسام حاد داخلها قد يؤثّر سلباً على أدائها ومشاريعها، على ما أكّدت الجهات نفسها، ومنعاً لاستقالتها قبل الإنتخابات النيابية المقبلة. فالسبب الرئيس من تشكيل حكومة الرئيس الحريري كان وضع قانون الإنتخاب، ومن ثمّ مواكبة العملية الإنتخابية، ولهذا فهي ستُحافظ قدر المستطاع على بقائها حتى أيّار القادم.
وفيما يتعلّق بالجبهة الجنوبية، فإنّ الحزب بالطبع أصبح أقوى، على ما ذكرت الجهات السياسية، لا سيما بنظر إسرائيل التي تُراقب كلّ تحرّكاته والمعارك التي خاضها ويخوضها. وهذا الأمر يقوّي لبنان ولا يُضعفه خصوصاً وأنّ الجيش اللبناني أصبح أيضاً قويّاً أكثر من السابق لأنّه يمتلك العتاد المتطوّر واللازم الذي يؤهّله لخوض أي معركة قد تُفرض عليه. علماً أنّ الجيش لم يكن ينقصه يوماً القدرات البشرية، بل المعدات والأسلحة المتطوّرة، وها هو يحصل عليها من الولايات المتحدة الأميركية وسواها، من دون أي شروط، على الأقلّ حتى الآن.
ولهذا تستبعد الأوساط أن تُقدم إسرائيل على شنّ حرب جديدة على لبنان، على ما قالت، لا سيما وأنّ هذه الحرب ستكون مغطّاة من الجانب الإيراني الذي يدعم الحزب، ما يجعلها ليست بوارد مواجهة إيران في الفترة القادمة، وإن كانت تخشى من تمدّدها في المنطقة بفعل بقاء النظام السوري وانتصار المقاومة. لكنّ الولايات المتحدة الأميركية لن تدع الحزب يفرح كثيراً بانتصاراته، على ما كشفت، سيما وأنّه قدّم المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، ليس لتحقيق النصر على التنظيمات الإرهابية بدلاً من دول العالم ككلّ، إنّما أيضاً من أجل أن تعمد الدولة اللبنانية الى نزع كلّ الأسلحة غير الشرعية من البلد، بما فيها سلاح "حزب الله"، من وجهة النظر الأميركية، الذي تجده إرهابياً.
ولكن لأنّ المساعدات العسكرية "غير مشروطة"، وإلاّ فإنّ الحكومة اللبنانية لا توافق عليها أساساً، فلا يمكن لا للولايات المتحدة ولا لسواها فرض أي أمر على الحكومة خصوصاً لناحية مناقشة الاستراتيجية الدفاعية أو نزع سلاح المقاومة ما دامت إسرائيل تحتلّ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وتخترق القرار 1701 وتُهدّد لبنان بالتالي من البوّابة الجنوبية بشنّ حرب جديدة عليه، علّها تنتصر فيها هذه المرّة.
(
الديار)