كتب جوني منيّر في صحيفة "الجمهورية": "في العام 1977 ومع بدء ولايته رئيساً للولايات المتحدة الاميركية، عيّن جيمي كارتر زبيغنيو بريجنسكي مستشاراً للأمن القومي الذي استمرَّ في موقعه حتى رحيل كارتر عن البيت الابيض في العام 1981.بريجنسكي يهودي اميركي من أصول بولونية، والمهم أنه ساهم بقوة في رسم استراتيجية جديدة لبلاده في عزّ الانقسام العالمي بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي، والحرب الباردة التي كانت قائمة بين معسكريهما.
يومها وضع بريجنسكي استراتيجية «تفتيت» الاتحاد السوفياتي من دون التورّط في الحروب معه والمجازفة بدمار شامل، وارتكزت رؤيته على إسقاط الامبراطورية السوفياتية من الداخل وليس محاربتها المكلفة من الخارج عبر إحياء العصبيات والأصوليات الدينية، لتشكّل «الأفيون» القادر على تخدير القوة الشيوعية من الداخل والتحضير لتفكيكها لاحقاً.
ولم تكن مصادفة أن تتصاعد في تلك الحقبة النزعات والعصبيات الدينية الاسلامية والمسيحية واليهودية، والتي كانت تضطهدها الآلة الأمنية الشيوعية المرعبة.
في تلك الحقبة، وصَل البابا يوحنا بولس الثاني البولوني الذي أطلق من موطنه الأم الثورةَ المسيحية على الحكم الشيوعي، ما أدّى لاحقاً الى زعزعته. وفي الحقبة عينِها، سقط شاه إيران لتصبحَ معه إيران جمهورية إسلامية.
وفي العام 1979، دفَعت موسكو بجيشها الى أفغانستان، حيث بدأ المسار التصاعدي للأصوليات السنّية وولادة تنظيم «القاعدة» لاحقاً. بالطبع ليست واشنطن من خلقَ هذه العوامل، لكنّها بالتأكيد ساهمت في إيجاد الأجواء الملائمة وإنضاجها.
ومبدأ بريجنسكي لم يمت مع تفكّكِ الاتحاد السوفياتي وزواله عام 1991، بل جرى استنساخه في المشروع القاضي بتفتيت الدول العربية من دون التورّط في حروب مباشرة ومكلفة. ومن خلال ترؤسّه مؤسسة اسمُها «رائد» للدراسات، قدّم النصائح الى الإدارات الاميركية المتعاقبة، بدءاً من جورج بوش الإبن ووصولاً الى باراك اوباما الذي شهدت ولايته الأولى ما عُرف بـ«الربيع العربي» على أكتاف التيارات الإسلامية.
وكان لافتاً ما قاله اوباما في جنازة بريجنسكي بأنه كان واحداً من رؤساء كثيرين استفادوا من حكمة بريجنسكي ومشورته، وأنّ أفكاره ساعدت على تشكيل سياسة الأمن القومي الأميركي لعقود عدة.
أمّا مناسبة هذا الاستذكار، فهو الترتيب الجديد الجاري وضعُه للشرق الأوسط واستخدام السياسة نفسِها حتى في أماكن أبعد من الشرق الاوسط.
ففي خضمّ النزاع الكبير ولكن المكتوم الدائر بين الولايات المتحدة الاميركية والصين، الدولة التي باتت تهدّد فعلياً الزعامة الاقتصادية والمالية لواشنطن على العالم، سلّط الإعلام الاميركي فجأةً أضواءَه على أزمة مسلمي الروهينغا في ميانمار، البلد الذي يَحظى بحدود مشتركة مع الصين.
ففي الإعلام الاميركي، تركيز على ضحايا «صدام الحضارات» بما يُشبه الانصياع لتوجيهٍ ما من خلف الكواليس.
والأهم أنّ إظهار المأساة الحاصلة في ميانمار بحقّ الأقلّية الإسلامية جعلَ منها قضية إسلامية عالمية، ما دفعَ بتنظيم «القاعدة» لدعوة الموالين له إلى السفر الى ميانمار ودعم الروهينغا.
و«القاعدة» الذي يسعى إلى إعادة فرضِ صورته كأوّل تنظيم «جهادي» مستفيداً من الضربة القاضية الجاري توجيهُها الى «داعش» في سوريا والعراق، يريد تكثيفَ عملياته لاستعادة حضوره العالمي.
في المقابل، فإنّ «داعش» الذي يحاول العودةَ الى العمل تحت الارض، يتّجه أيضاً الى تلك البقعةِ من العالم مستفيداً من عشرات «المجاهدين» الايغور الذين قدموا من الصين، والذين «نجحوا» في الفرار من الرقّة ودير الزور وعادوا الى الصين كادرات إرهابية اكتَسبت خبرةً كبيرة، وقادر كلُّ واحد منها على إنشاء مدرسته الخاصة به في بلد يحوي 120 مليون مسلم، وسيُعاني كثيراً من قضية مسلِمي الروهينغا".