نشر موقع "نيوزويك الشرق الأوسط" تحقيقاً إستقصائياً كشف معلومات سرّية ووثائق خاصة تُثبت سُمّية المواد المدفونة في مكب برج حمّود، والتي تُهدد بيئة لبنان والبحر الأبيض المتوسط.
وبحسب الموقع، إن قصة "أزمة النفايات" بدأت عندما أغلق أهالي منطقة الناعمة جنوب بيروت في 17 تموز 2015 المطمر الذي استقبل نفايات بيروت لأكثر من 17 عاماً، الأمر الذي أدى إلى طمر النفايات ورميها في الطبيعة والأماكن العامّة، على الطرقات وقنوات الأنهار والبحر، والوديان والمناطق الحرجية، بالإضافة إلى حرقها، الأمر الذي أدى إلى اطلاق انبعاثات سامّة في الجو، وتدهور الحالة البيئية للأراضي، وانتشار الروائح المقززة وتلويث التربة والهواء والمياه الجوفية التي تسربت إليها عصارة النفايات. كما وساهم ذلك بتدمير العديد من المحاصيل الزراعية، عدا عن انتشار للحشرات بشكل كبير".
أما الشواطىء التي لطالما تغنّى اللبنانيون بها، فقد بات العديد منها مرتعاً للقاذورات ومياه المجاري الآسنة مما ساهم في تلويث البحر الأبيض المتوسط، واحداث ضرر اقتصادي كبير".
برج حمود: الأزمة الكبرى
ولم يسلم جورج (اسم مستعار) وزملائه من الصيادين في مرفأ الدورة شمال بيروت من البحر الذي صار مقبرة للحياة البحرية بعد البدء مؤخراً في أعمال تكسير جبل النفايات في المنطقة والشهير بإسم "مكب برج حمود" الملاصق لمرفأ العاصمة البحري منذ أكثر منذ ثلاثة عقود.
الصياد الأربعيني، إبن البحر، والذي قضى عمره في مهنة صيد السمك منذ كان مراهقاً، لم يعد يجد سمكةً واحدةً على قيد الحياة في المحيط البحري لمنطقة الدورة وبرج حمود، بل بات يبحث عنها شمالاً نحو طبرجا أو جنوباً نحو الرملة البيضاء، قاطعاً آلاف الأمتار لكي يُقدّم لعائلته في نهاية اليوم طبقاً من السمك خالٍ من الأمراض.
بدك صحن السمك المشوي مع زبالة أو بلا زبالة؟
يقول جورج: "لا يجتمع في شباك جورج إلا النفايات على أشكالها وأحجامها في أثناء رحلة صيده اليومية" الذي شاهد بأم عينه وزير البيئة طارق الخطيب يدخل إلى مطمر برج حمود ليُطلق بعض المواقف، ويضيف إن "الوزير لم يتحمل التواجد في محيط المكب لأكثر من 7 دقائق بسبب الروائح المنبعثة من المكب، ومشاهدته للسمك الميت ولأنواع الملوثات الموجودة في المياه، بينما نعيش نحن هنا منذ أكثر من 30 عاماً متحملين جميع هذه الروائح". برأيه، "أصبحت الثروة السمكية شبه معدومة في منطقة المتن"، ولم تعوض عليهم الدولة بأي شيء، عدا المبلغ الذي قدّمه رئيس تعاونية الصيادين وهو 200 ألف ليرة لبنانية لكل صياد، وهي بالكاد “تكفي ثمن الوقود الذي نضعه يومياً في خزانات مراكبنا”.
ولفت الموقع الى انه "من هنا بدأت حكاية مكب برج حمود. فقبل أكثر من ثلاثين عاماً زرعت الحرب الأهلية اللبنانية مكباً عشوائياً على ساحل المتن الشمالي في منطقة برج حمود، وأصبح المكب على مرّ السنوات جبلاً كبيراً وصل ارتفاعه إلى 47 متراً وينتشر على مساحة 160 ألف متر مربع، ويحتوي على 3.5 مليون متر مكعب من النفايات المُكدّسة، من دون أن تُعرف طبيعتها. تمّ اشغال المكب خلال سنوات الحرب، وذلك لاستقبال النفايات والردميات من دون فرزها وطُمرت أنواع عدّة منها ومن ثم أُغلق بموجب قرار حكومي في العام 1997".
ويقول رئيس الحركة البيئية اللبنانية بول أبي راشد إن "مشكلة البيئة البحرية بدأت في أثناء الحرب الأهلية انطلاقاً من مكب النورمندي وبرج حمود، واُستكملت وصولاً إلى صيدا وطرابلس". الهدف من وراء ذلك، بحسب أبي راشد، هو "اكتساب أمراء الحرب على اختلاف طوائفهم، فرصة طمر البحر للحصول على مساحات من الأراضي يستطيعون من خلالها أن ينشؤوا مشروعات اقتصادية تدرّ الأموال عليهم".
ويؤكد مصدر حكومي كلام أبي راشد، كاشفاً إن "هناك مُخططاً على كامل الخط الساحلي يقضي بإنشاء عدد من المكبات على البحر لطمره لاحقاً، متذرعاً بأن معظم اللبنانيين لا يريدون الموافقة على تخصيص أراضٍ بالقرب من منازلهم لإنشاء معامل لفرز النفايات، وهذا الأمر يُعزز بالنسبة إليه، فكرة طمر البحر لقاء حوافز تُقدّمها الدولة إلى البلديات، وهي الحصول على مساحات معينة من الأراضي المطمورة في البحر، وذلك لطمس صوت الناس في المطالبة بحقهم في بيئة نظيفة مقابل تجميل المدينة".
هذا الأمر تُظهره الخرائط التي أعدها مجلس الانماء والاعمار عن المكبات الموجودة على الخط الساحلي. وتظهر إحدى الخرائط أن بلدية برج حمود ستحصل خلال سنوات على أرض تبلغ مساحتها 97400 متر مربع لإقامة منتزه وحديقة عامّة قرب جبل النفايات الذي سيتحوّل إلى مركز مؤقت للطمر الصحي (بمساحة 126400 متر مربع) وإلى جانب المشروع محطة لمعالجة المياه المبتذلة لمناطق المتن الجنوبي ستقام خلال 4 سنوات (بمساحة 65 ألف متر مربع)، بينما ستحصل بلدية الجديدة، البوشرية والسد في الجهة المقابلة لبرج حمود على مركز مؤقت للطمر الصحي (بمساحة 122700 متر مربع)، إضافة إلى أملاك عامّة (بمساحة 119500 متر مربع) ستستفيد منها بلدية الجديدة، البوشرية والسد لإقامة مشروعات اقتصادية عليها.
وسيصبح عندئذٍ المكب شبيهاً بالمطمر الذي ازالته حكومة واشنطن في الجزء الشمالي من بلدة همبستيد Hempstead في نيويورك.
ذهب أسود في برج حمود!
وكشف الموقع أن "التلوث الحاصل لم يقتصر على رمي النفايات في البحر، لا بل تعداها إلى وجود ترسبات نفطية في بحر برج حمود والجديدة".
الأمر لم يتوقف عند ذلك، فقد أكدت دراسة الأثر البيئي التي أعدها الاستشاري Liban Consult AGM، أن العينات التي "تمّ أخذها من تربة الشاطئ، ومن المياه المبتذلة في البحر في تشرين الاول 2016 كانت تحمل ترسبات نفطية تعود إلى شركات النفط التي ترمي المواد النفطية بعد غسيل خزانتها في البحر مباشرة"، إضافة إلى قنوات الصرف الصحي الآتية من منطقة برج حمود والجديدة والتي تحمل مخلفات الصرف الصحي المنزلي وترسبات نفطية من محطات تعبئة الوقود التي تصب مباشرة في بحر برج حمود، ومرفأ الدورة لصيد السمك، ومنطقة الجديدة ونهر الموت.
وبحسب تقرير أعدته شركة خوري للمقاولات بتاريخ كانون الأول 2016، ذكر أن لا وجود لترسبات نفطية في المياه في منطقة برج حمود والجديدة. إلّا أنّ التقرير يناقض نفسه عندما يشير إلى وجود نسب زيوت وشحوم مرتفعة (19 ملغ بالليتر الواحد) وقد تخطت المعايير البيئية الموضوعة من قبل وزارة البيئة.
وقد عزا مُعد التقرير ذلك، إلى وجود شبكات الصرف الصحي التي تصب مباشرة في البحر والتي من الممكن أن تحمل معها ملوثات متنوّعة.
وقد أشارت دراسة الأثر البيئي إلى ضرورة إعادة تموضع أنابيب الغاز والنفط الشمالية التي تمر تحت المكبات والتي تمنع إقامة الحواجز البحرية (طول الحاجز 3 كيلومتر)، وذلك بالتنسيق ما بين مجلس الانماء والاعمار وشركات النفط والغاز.
ويجاور المطمر عدد من المنشآت النفطية وشركات الغاز. ويشير الموقع الى أنه "هناك شركة كورال للزيوت وشركة يونيغاز من جهة مطمر برج حمود، وتقع شركات ميدكو، يوني تيرمينالز، توتال، موبيل، وردية، من جهة مطمر الجديدة المستحدث. كما يوجد مسلخ الكرنتيا ومعامل معالجة النفايات الصلبة في الكرنتينا (المخصص للفرز) ومعمل الكورال (المخصص للتسبيخ)، وتؤدي هذه المنشآت مجتمعة إلى انبعاث الروائح وانتشارها في المنطقة".
وأشار الموقع إلى أن "لبنان أدخِل في صيف العام 1987 في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية كميات كبيرة من النفايات الكيميائية السامة على متن الباخرة Radhost ومن المرجح أنّ قسماً منها يحمل إشعاعات نووية، وكانت مرسلة من قبل شركة "Jelly Wax" الإيطالية بالتعاون مع مقاولين لبنانيين وبتغطية من قبل حزب "القوات اللبنانية" الذي كان يتحكم بمرفأ بيروت حينها، بحسب ما يشير تقرير الخبير البيئي في منظمة "غرينبيس" العالمية فؤاد حمدان تحت عنوان "تجارة النفايات في المتوسط-الهجوم السام ضد لبنان". ويضيف التقرير أنه بعد ادخال النفايات إلى لبنان، تم تخزينها في مرحلة أولى، وعُرض قسم منها للبيع ووزعت على مجمل الأراضي اللبنانية، بحيث استعملها عدد من المواطنين بعد تنظيفها بمواد مطهرة، لتخزين المياه العذبة، واستخدامها في الري".
تمكّن الخبراء فيما بعد من تحديد تفاصيل محتوى قسم من هذه البراميل فقط بوزن إجمالي قدره 2375 طن تقريباً من المواد السامّة جدا، وكانت الحكومة اللبنانية، بحسب التقرير “خجولة في الطلب من الدولة الإيطالية التكفل بتنفيذ وعدها بإعادة النفايات إلى إيطاليا، وذلك لأن لبنان يحصل على المساعدات والمنح المالية من الاتحاد الأوروبي وإيطاليا، الأمر الذي قد يُشكّل احراجاً للإيطاليين”.
وبعد وصول المواد إلى لبنان في صيف العام 1987 وانكشاف الفضيحة عبر وسائل الاعلام في العام 1988 تم تدمير حوالي 1600 برميل يُرجّح أن تكون قد نُقِلَت بقاياها المدمرة إلى مكب برج حمود/ بعد اقفاله في العام 1997. وقد أُقفِلَ مكب الكرنتينا في العام 1990 لتكبير مرفأ بيروت، وبمناسبة إعادة تأهيل الموقع وإزالة تلوّثه في بداية العام 1997 نُقِلَت خِلسةً المواد السامة المتبقية إلى منطقة المونتيفيردي، لكن تم إرجاعها من هناك على إثر الإعتراضات الشعبية… وطُمِرَت في مكب برج حمود.
(نيوزويك الشرق الأوسط)