بعد اعلان الاتفاق النهائي على الملف النووي الايراني بين ايران والدول الغربية، يسود الأوساط السياسية اللبنانية على اختلافها موجة تفاؤل بإمكان بروز تطورات ايجابية على المستويين الاقليمي والدولي عموماً، وعلى المستوى السعودي ـ الايراني خصوصاً، تساعد على انتخاب رئيس جمهورية جديد ما يفتح الباب أمام معالجة بقية تفاصيل الأزمة اللبنانية.
في هذا الإطار، يقر ديبلوماسي بارز بأن تطورات من هذا النوع إقليمية ـ دولية وسعودية ـ إيرانية من شأنها أن تساعد على ايجاد المناخ اللازم لإنتخاب رئيس جديد للجمهورية، لكنه يقول انها لا تكفي إذا لم تتوافر الأرضية اللبنانية الداخلية الصلبة اللازمة لهذا الانتخاب، ولكن حصول هذا الأمر ليس بالسهولة التي يتوقعها البعض لأن الخلاف على الاستحقاق الرئاسي لم يعد بين فريقي 8 و14 آذار فقط، بل بات داخل كل فريق منهما، وداخل كل طرف من أطراف كل فريق، ومن هؤلاء تيار "المستقبل" الذي يعاني انقساماً حاداً عامودياً وأفقياً لم يستطع أركانه إخفاءه بكل ما قدموه ويقدمونه من تبريرات، وهو انقسام يتوسع يومياً ويشتد وتعكسه التصريحات المفتعلة لهذا المسوؤل "المستقبلي" او ذاك، من مثل تصريحات الوزيرين نهاد المشنوق وأشرف ريفي عن "رفقة النضال" بينهما والتي تحاول الايحاء بأن "التيار الأزرق" في "ألف خير" وانه كـ"البنيان المرصوص".
ويكشف هذا الديبلوماسي لـ"لبنان 24" ان زعيم تيار "المستقبل" الرئيس سعد الحريري كان ولا يزال يعاني أزمة مالية كبيرة تنعكس على وضعه المعنوي وهيبته داخل التيار، إلى درجة ان العاملين في مؤسساته الاعلامية وغير الاعلامية في لبنان، وربما في الخارج، لم يقبضوا رواتبهم منذ أكثر من ستة أشهر، وان هذه الأزمة جعلت بعض مراكز القوى في "التيار الازرق" تستضعفه وتبني طموحات تتجاوزه، مستغلة علاقاتها ببعض مراكز النفوذ الخارجية التي لا تكن وداً له، او لا ترضى عنه سياسياً، وربما شخصياً.
ويؤكد هذا الديبلوماسي ان عملية الاستضعاف هذه أتاحت للرئيس فؤاد السنيورة أن يدير الخلاف داخل تيار "المستقبل" ويغذي التناقضات في ما بين أجنحته المتعددة، معتقداً ان هذا الخلاف يمهد له الطريق ليعود "الرجل الأقوى" في التيار، وبالتالي يفتح له طريق العودة الى رئاسة الحكومة.
ولذلك، يضيف الديبلوماسي، لا يرى السنيورة ضيراً في تصاعد الخلاف بين وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق ووزير العدل أشرف ريفي الطامحين والعاملين كلٌ على طريقته للوصول الى رئاسة الحكومة، حيث يراهن كل منهما على علاقة متينة له بمراكز نفوذ كبيرة في القيادة السعودية الجديدة يمكن ان تدعمه للوصول الى رئاسة الحكومة في الوقت الذي يتمسك الحريري ببقاء الرئيس تمام سلام في موقعه الى ان يوفر الظروف التي تمكنه للعودة الى رئاسة الحكومة، وهو لأجل ذلك بات غير مستعجل لانجاز الاستحقاق الرئاسي ولا يرى ضيرا من تأخر الاتفاق على انتخاب رئيس جمهورية جديد طالما لم يضمن بعد أن يكون رئيس الحكومة الاولى في عهد هذا الرئيس، وفي الوقت نفسه يعمل كل ما في وسعه لتأجيج الخلاف بين كل صقور "المستقبل" ليشتت شملهم، ولا سيما منهم الطامحين لتولي رئاسة الحكومة وكل من يتمحور حولهم من قياديي التيار ومحازبيه وجمهوره، وذلك اعتقادا منه ان نهاية الخلاف ستكون لمصلحته حتى ولو كلفه ذلك إستعادة "التيار الازرق" من براثنهم اشتاتاً وحطاماً.
ويشير الديبلوماسي نفسه إلى ان هذا الانقسام "المستقبلي" هو من العقبات الاساسية الداخلية، وربما الخارجية ايضاً، التي أعاقت وتعوق انتخاب رئيس الجمهورية العتيد، لأن أركان تيار "المستقبل" غير متفقين في ما بينهم على خيار أو مرشح رئاسي معين، فما يريده الحريري هو غير ما يريده المشنوق او ريفي وغيرهم من الصقور الطامحين لركوب موجة أي من أعضاء ذلك "الرباعي" المنقسم على نفسه ليحظوا بمواقع وزارية في أي حكومة يمكن أن يشكلها اي من هؤلاء مستقبلاً ويعتقدون أنها تفتح لهم الطريق الى رئاسة الحكومة ايضاً، باعتبار ان الموقع الوزاري بالنسبة الى البعض يفتح "الشهية السياسية" والطموح لتولي المركز الثالث في هرم السلطة.
ويخلص الديبلوماسي اياه الى القول ان كل هؤلاء الذين حاربوا الرئيس نجيب ميقاتي ووصفوه بأنه "رئيس حكومة "حزب الله" ها هم يهاجمون "الحزب" علناً ويخطبون وده سراً ليحظوا بدعمه وحلفائه للوصول الى سدة رئاسة الحكومة، علما ان ما حظيوا به أيام حكومة ميقاتي لم يحظوا به أيام حكومتهم بل حكوماتهم، فجحدوا ولم يعترفوا للرجل بفضل، وها هم أيضاً يحفرون الآن ضد الرئيس تمام سلام ليجلسوا مكانه، فيما الحريري يتمسك به ليس حباً به، وانما لأنه يريده حتى إشعار آخر حاجزاً أمام طموحاتهم ومتراساً يصد به هجماتهم عليه، الى ان يضمن عودة "ميمونة" الى السرايا الحكومية، وهو قد لا يتورع عن الانفتاح تكتيكياً مجدداً على رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، لأن تحرك الأخير في الشارع وتعطيله لمجلس الوزراء يخدم مصالحهم وتوجهاتهم على نحو أو آخر، وقد يعجل انتخاب رئيس الجمهورية ويؤدي بالتالي الى رحيل حكومة سلام في توقيت غير مناسب له ، أي للحريري، يمكن ان يعطل عودته الى رئاسة الحكومة لمصلحة شخصية "مستقبلية"، وربما غير "مستقبلية" فمن يدري؟ فأي مستقبل لـ"مستقبل" يتنازعه زعيمه والصقور؟
(خاص "
لبنان 24")