كتب جوني منيّر في صحيفة "الجمهورية": "الزلزالُ السياسي الذي لوّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يحصل ولم يُعلن انسحابَ الولايات المتحدة الأميركية من الصفقة النووية والتي وقِّعَت في 14 أيار 2015، كم لم يُدرج الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب، لا بل إنّ ترامب أحال الاتفاقَ الى الكونغرس تماماً كما توقعت أوساط أميركية عدة قبل مدة. ولم تكن قراراتُ ترامب تتناسب مع حجم الهجوم الذي شنّه على إيران ودأب عليه منذ حملته الانتخابية.والأهم كان التمهيد المَرِن الذي تولّاه وزير الخارجية تيلرسون حين قال قبل ساعات من خطاب رئيسه إنّ قرار ترامب لن يعني الانسحاب من الاتفاق. مضيفاً: «لا نطلب من الكونغرس اعادة فرض عقوبات لأنّ ذلك سيعني بحكم الأمر الواقع انسحاباً من الاتفاق». وكلام تيلرسون هنا واضحٌ وضوحَ الشمس: «لا نريد الانسحابَ من الاتفاق».
ويعتقد عددٌ من الديبلوماسيين الأميركيين أنّ ترامب دخل الى معركة خاسرة وهو ما لاح منذ اللحظة الاولى، هو قال إنّ وجهة نظره تكوّنت بعد مشاورات مع الحلفاء لكنه لم يتكلم سوى عن إسرائيل وبعض الدول العربية وهي السعودية والإمارات والبحرين.
وهذا ما يعني أنّ واشنطن شعرت بشيء من العزلة إزاء موقفها من الاتفاق النووي في ظلّ تأييد الدول الخمس الواضح والعلني لهذا الاتفاق الذي شاركتها توقيعه، إضافةً الى عزلة داخلية مع معارضة السواد الأعظم من رجال إدارته وعلى رأسهم الثلاثي وزير الخارجية ووزير الدفاع ومستشار الامن القومي. إضافةً الى استطلاعٍ أشار الى رفض 56 % من الأميركيين إلغاء الاتفاق.
وما عزّز موقف معارضي ترامب في الداخل الأميركي، كما على المستوى الأوروبي، هو إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرّية أنّ إيران وفت بكل التزاماتها لخفض برنامجها النووي إضافةً الى موقف رئيس اركان الجيوش الأميركية الجنرال جوزف دانفورد من أنّ إيران ليست في خرقٍ مادّي للاتفاق.
لكنّ الكلامَ الملفت جاء على لسان رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعها السابق ايهود باراك الذي ناشد ترامب قبل ايام من إعلان قراره عدم نقض الاتفاق. واضاف في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ «خطوةً كهذه (أي ضرب الاتفاق) ستؤدّي الى تعزيز قوة إيران وستعطّل أيّ جهود تفاوضية مع كوريا الشمالية حول برنامجها النووي، خصوصاً أنّ احداً لم ينضم الى واشنطن وهو ما سيخدم الإيرانيين». وقال: «فكّروا في ما يمكن أن يحدث في الجيل القادم إذا تحوّلت إيران بلداً نووياً».
ومن خسائر ترامب إضعاف «التيار الإصلاحي» في إيران والذي تولّى المفاوضة ومن ثمّ توقيع الاتفاق. وهذا التيار الذي يمثله الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف اضطُر للاقتراب خطوات من تيار المحافظين والمعروف بتشدّده، حيث قال ظريف إنّ إيران «كلها حرس نووي»، بعدما أدّى الدخولُ في مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق الى تراجع المساحة المؤيّدة للحرس الثوري والتيار المتشدّد لمصلحة طبقة التجار والبازار والتيار الإصلاحي، وهو ما تُرجِم في النسبة التي نالها روحاني عند إعادة انتخابه.
«الضررُ وقع»، يقول ديبلوماسي أميركي في واشنطن، لكنه اضاف «أنّ التركيز الآن هو لاستغلال ما حصل لتحقيق نتائج افضل».
وفي خطابه ترك ترامب البابَ مفتوحاً امام احتمال إلغاء الاتفاق بالتفاهم مع الكونغرس، وهو ما يعني رفع مستوى الضغوط خلال مرحلة الشهرَين المقبلين في محاولة لانتزاع بعض المكاسب من يد إيران، قبل العودة الى القرار الحتمي بالإقرار بالاتّفاق النووي، ولو مع إدراج بنود اضافية لضمان تطبيقه".