تعددت التفسيرات حول أسباب التدخل العسكري الروسي في سوريا، منها رغبة موسكو في حماية صورتها التاريخية وتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، ولكن يظل هناك بعد آخر لانخراط روسيا في ذلك الصراع: إذ جعل هذا سوريا بمثابة أرضاً خصبة لاختبار وتجريب القوات والمعدات والقدرات القتالية لموسكو، حسب تقرير لموقع ستراتفور الأميركي.
هل نجحت؟
تختلف الحرب السورية عن غيرها من الصراعات التي أقحمت فيها روسيا نفسها منذ انتهاء الحرب الباردة. فخلافاً لحروب الشيشان، وجورجيا، وإقليم دونباس الأوكراني، لا يُعتبر الصراع السوري داخل الأراضي الروسية، أو حتى متاخماً لها.
وفي ظل انعدام الطرق البرية الموصلة إلى سوريا، اعتمدت روسيا في حملتها العسكرية على النقل الجوي من جهة، وعلى قدراتها في النقل البحري في جلب قواتها من جهة أخرى، والاعتماد عليهما في إمداد العمليات القتالية طويلة الأمد. وعلى الرغم من تلك العقبات الكبرى، أثبتت موسكو كفاءتها في الإمداد اللوجيستي المستمر للقوات العسكرية في خضم العمليات القتالية الدائرة بعيداً عن أراضيها.
مشكلات خفية مع الجيش السوري
لقد تدخلت روسيا بعد انتهاء الحرب الباردة في الصراعات التي اندلعت على نطاق واسع في مناطق ذات خصائص حضارية ولغوية واجتماعية قريبة إلى حد كبير من الثقافة الروسية. وهو ما لا ينطبق على تدخلها في سوريا.
فقد تطلب غزو أرض أجنبية بعيدة من الجيش الروسي إعطاء أولوية قصوى لتدابير وقدرات التواصل والمحاكاة والمشاركة مع الجيش السوري بدرجة لم تحدث من قبل.
ولم تكن هذه الشراكة تتسم بالسلاسة كما قد يُتصور، بل كان هناك العديد من التقارير والأحاديث والمؤشرات إلى وجود احتكاكات بين القوات الروسية وشركائها المحليين.
قيادة روسية للجيش السوري
بشكل عام، نجح الروس في تسويق أنفسهم للجيش السوري على أنهم شركاء ومستشارون أساسيون، واتضح ذلك بعد مقتل الجنرال فاليري أسابوف في أرض المعركة في أيلول الفائت.
فقد صرح الجيش الروسي أنه لم يكن مستشاراً للجيش السوري فحسب، بل تم تضمينه في سلسلة القيادة العسكرية السورية كقائد للفيلق الخامس.
وواجهت القوات الجوية الروسية في سوريا مشاكل من نوع أخرى، فقد تسببت الغارات التي شنتها مقاتلاتها بسقوط ضحايا من المدنيين على نطاق واسع، كما وقعت بعض حوادث إطلاق نيران صديقة، فضلاً عن التعرض لقصف معاد، وظهور بعض المشاكل التقنية التي أدت إلى سقوط بعض الطائرات الروسية. ولكن، بغض النظر عن الخسائر، منح الصراع السوري سلاح الجو الروسي تجربةً قتاليةً قيمة.
وكانت سوريا بمثابة حقلٍ رئيسي لاختبار الأسلحة التكتيكية الروسية الجديدة، فقد اختبرت موسكو على الأرض السورية أكثر من 160 نوعاً جديداً من أنظمة الأسلحة، كما استخدمت صواريخ كروز الهجومية البرية الجديدة، التي تُطلق من البحر أو الجو، ونشرت نوعيات جديدة من أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات القتالية بدون طيار. واعتمدت بشكل كبير على الجيل التالي من أنظمة الحرب الإلكترونية واستخدمت الذخائر الموجهة بدقة.
هل نجحت في ترويج أسلحتها؟
يتضمن اختبار روسيا لأسلحتها الجديدة في سوريا العديد من الفوائد، فقد أتاح لموسكو تسليط الضوء على تجهيزاتها العسكرية بغرض عرض كفاءتها من أجل زيادة مبيعات السلاح الخارجي. وهو ما حدث بالفعل، فقد تم بيع عدد من الأسلحة الروسية التي برزت على الساحة في الحرب السورية المشتعلة، لاسيما مقاتلات سو-34، وسو-35، ومنظومة صواريخ أرض-جو إس-400.
الخسائر
تكبدت موسكو خسائر كبيرة في الأرواح، بما في ذلك فقدانها ضباطاً رفيعي المستوى. كما فقدت أيضاً عدداً كبيراً من المدنيين العاملين في الإنشاءات العسكرية الخاصة في سوريا.
وقد استخدمت روسيا صواريخ كروز، والذخائر دقيقة التوجيه على نطاق واسع، فضلاً عن تعرض عدد من الطائرات الحربية والطائرات بدون طيار، وغيرها من المركبات الخاصة بها للتدمير، وهو ما يزيد أعباء الدين العام في ظل الضائقة المالية التي تعيشها موسكو.
ومن المؤكد أن موسكو لا تنوي الاستمرار كأحد الأطراف المباشرين في الصراع السوري لوقت طويل، بل تحاول تهيئة الظروف التي تسمح لها بالخروج من هذه الحرب.
(هاف بوست عربي)