كتب ناصر شرارة في صحيفة "الجمهورية": "تدشّن معركة البوكمال مرحلةً جديدة من سباق الإقليميين والدوليين على تقاسم النفوذ في سوريا. قبلها كان السباق جارياً للسيطرة على مخزونات الطاقة (الغاز والنفط). ومع بدء معركة البوكمال، يكون بدأ السباق، خصوصاً بين إيران وأميركا للسيطرة على الممرّات الاستراتيجية والعقد البرّية التي تربط بين طرق دول المنطقة الحدودية.متعدّدة هي الأسباب التي تحدو بالمراقبين الى تسليط الضوء على هذه المواصفات لمعركة البوكمال، وكان آخرها إعلان الناطق باسم التحالف الاميركي، أمس الأول أنّ واشنطن طلبت من «الجيش السوري الحر» الانخراط في معركة السيطرة على البوكمال.
وإثر هذا الإعلان الأميركي الذي رافقته معطيات ميدانية وسياسية أخرى، بات السؤال المطروح حالياً بملامح استراتيجية، هو مَن يسبق الآخر في الوصول الى البوكمال: أميركا وحلفاؤها؟ أم إيران وحلفاؤها؟
ومن وجهة نظر المعارضة السورية وحلفائها العرب، فإنّ وقائع سلوك الدعم الذي ستقوم به اميركا الايام التالية، لـ»الجيش الحر» للوصول الى البوكمال، ستبيّن ما إذا كانت التصريحات السياسية الأميركية حول منع تمدّد إيران في المنطقة جدّية، ولها ترجمتها العملية على الارض، أم إنها مجرد بالونات كلامية للاستهلاك السياسي كما هو حاصل منذ فترة؟
وحصلت «الجمهورية» من مصادر في المعارضة السورية على القصة الكاملة للطلب الأميركي من فصائل عسكرية سورية معارَضة بدء التحضير للانخراط في معركة البوكمال، ومفادها، أنّ واشنطن اتّصلت قبل ايام بالفصائل العسكرية السورية المعارضة الوازنة، التي كانت فرضت عليها خلال الفترة الاخيرة، تجميد عملياتها العسكرية لأنها رفضت طلبها التفرغ لقتال «داعش» وعدم مقاتلة النظام.
وأبرز هذه الفصائل «اسود الثورة» و«احرار العشائر» و»قوات عبده» وغيرها. وبحسب هذه المصادر فإنّ واشنطن أعادت الحرارة فجأةً الى قنوات الاتصال مع هذه الفصائل، حيث طلبت منها بدء التحضير لمشاركتها في معركة البوكمال، والهدف الأميركي من ذلك منع إيران من الوصول الى هذه المنطقة خدمةً لهدفها الاستراتيجي بقطع أذرع تمدّدها في منطقة المشرق، وكبح طموحها الخاص بإنجاز ربط ممرّها البرّي الممتدّ من طهران الى شواطئ المتوسط في لبنان عبر العراق وسوريا.
وتشكّل البوكمال عسكرياً ما يصطلح الاستراتيجيون على تسميته «نقطة التقاء» نهر الفرات مع الحدود العراقية وتُعتبر همزة الوصل التي تُفتح لإيران في حال سيطرتها عليها، شريان التمدّد الإستراتيجي الأرضي. وفي توصيف استرايتجي آخر لها، تُعتبر البوكمال «رأس المثلث» الواقع بين نهر الفرات والحدود السورية مع العراق، وهي تأخذ بعداً استراتيجياً يضاهي البعد الاقتصادي المتأتّي من اهمية اتصالها بالبادية خزان الطاقة في سوريا.
ولقد وضعت واشنطن، بحسب المصادر عينها، امام الفصائل السورية رؤيتها لمعركة ضرورة السيطرة على البوكمال، وهي تقع في مرحلتين: مرحلة أولى ذات مدى منظور وتتمثّل بأن يسبق «الجيش الحر» النظام بغطاء جوي اميركي الى البوكمال والسيطرة عليها قبل إيران وحلفائها. والمرحلة الثانية ذات مدى بعيد ويرمي الى عزل إيران في سوريا وإخراجها منها.
وخلال نقاشات هذا العرض الأميركي طرحت فصائل المعارضة السورية أسئلة حول السبب الذي يجعل واشنطن تمتنع عن إيكال هذه المهمة الى حليفها الموثوق لديها وهو حزب «الاتحاد الديموقراطي» الكردي".