كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية": "لا يريد كثيرون- أو ربما لا يستطيعون- أن يتخيَّلوا الحدود التي يمكن أن تبلغها المواجهة السعودية - الإيرانية، إذا انطلقت فعلاً على مداها، وعلى اتّساع رقعة الشرق الأوسط، بأبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية... وحتى العسكرية.ليس عبثياً الهدوء في موقف الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، ولا الحَذَر في موقف الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري. فواضح أنّ القوى السياسية اللبنانية كلها، على طرفَي النزاع، تتهيَّب كثيراً ما يمكن أن يطرأ من تطوّرات. فهي اختبرت طويلاً مفاعيل النزاعات الإقليمية على الداخل اللبناني.
لا يقتصر القلق على الفريق الحليف لإيران، والذي فاجأه التصعيد السعودي. ففي الصف الحليف للسعودية، هناك بالتأكيد ارتياحٌ الى أن يكون العرب قد استفاقوا أخيراً إلى واقع التمدُّد الإيراني وحيازة طهران غالبية القرار في عدد من البلدان العربية. ولكن، في داخل هذا الصف، هناك همسٌ حول سيناريوهات المواجهة: هل هي محسوبة جيِّداً، وما انعكاسها على «لبنان الضعيف»، وفق تسمية النائب وليد جنبلاط؟
هناك حسابات يجري الحديث عنها بين الجدران الأربعة. ومن المرّات النادرة، هناك تقاطع بين حلفاء إيران وحلفاء السعودية على استهابة الموقف. ويشعر الـ14 آذاريون بارتياح إلى دعم أميركي - سعودي، وشبه إجماع عربي، على التصدّي لمساعي طهران إلى احتكار النفوذ في لبنان. ولكن: كيف السبيل إلى اصطياد «الدبّ» الإيراني من دون تخريب كل شيء؟
لكنّ الحسابات القديمة ترتّبت عليها نتائج هائلة وترسّخت وتوالدت، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وسواها. واليوم، لم يَعُد الإيرانيون يستأذنون أحداً لممارسة نفوذهم في الشرق الأوسط، بل باتوا يعتبرون المنطقة حديقتهم الأمامية. ولولا قلق إسرائيل من بلوغ طهران النووية حدودها لما تحرّكت ربما أيُّ قوة دولية أو إقليمية لضبط الطموحات الإيرانية.
لقد تأخّر العربُ كثيراً في مواجهة إيران، ولهذا التأخير مستتبعاتُه. وفي العادة، تصبح المواجهة أكثرَ صعوبة وأكلافاً عندما تأتي متأخرة. لكنّ وليّ العهد السعودي لا يجد بديلاً من الإقدام على الجراحة الصعبة: «أن تأتي متأخّراً خيرٌ من أَلّا تأتي أبداً».
لا يريد الأمير محمد أن يستثني أيَّ عنصر قوة تمتلكه السعودية في هذه المعركة، على امتداد الشرق الأوسط. فالمرحلة لا تسمح بتحييد النفس. وعلى كل حليف للسعودية أن يأخذ على عاتقه الجزءَ المتعلّق به من هذه المعركة، بما فيها من أكلاف. فالسعودية نفسها تواجه إيران مباشرة في اليمن.
إذاً، وفق هذا المنطق، على اللبنانيين الرافضين نفوذ إيران أن ينخرطوا في المعركة الواحدة مع المملكة. ولهذا السبب، جرت دعوةُ الحريري ليستقيل ويبقى في السعودية. وكذلك، جرت دعوةُ الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى المملكة، ليضعَ «حماس» عند حدودها، فلا تمضي في استعادة علاقاتِها مع طهران.
ويؤشّر هذا المسار إلى أنّ السعوديين سيتّخذون مبادرات جذرية في العراق وسوريا أيضاً، في مواجهة إيران. فيما هم مطمئنّون إلى الأردن ومصر.
يريد السعوديون من محمود عباس أن يقترب من محمد دحلان، الذي يشكل حالة فلسطينية قوية، ولطالما كان منافِساً لرئيس السلطة. وفي المقابل، يريدون من عباس إضعافَ «حماس» التي تمثّل للسعوديين- إلى حدّ معيّن- ما يمثله لهم «حزب الله» في لبنان".