كتبت كلير شكر في "الإتحاد": في موازاة المشاورات السياسية الجارية في بعبدا، ثمة مشاورات أخرى لا تقلّ أهمية تجري في دار الفتوى وفي صالونات أقطاب الطائفة وقواها السياسية. الوسط السني في حراك استثنائي. الرهبة تسيطر على المداولات بين أبناء السنّة. الخشية مما ستحمله الأيام هي أيضاً حاضرة. العنوان الأبرز: الخوف على موقع الرئاسة الثالثة من شبح الشغور!
الرئيس سعد الحريري "ظهر" من جديد. خرج من خلف "القضبان الملكية" باتجاه الجارة الاماراتية في محاولة للجم سيل التأولايت والسيناريوهات التي تحدثت عن وضعه في اقامة "الخمس النجوم" الجبرية. لكن "الفيلم" بنظر كثر لا يزال غير مقنع.
ومهما كان الإخراج ممتازاً وعبقرياً لتبدو الصورة طبيعية من غير تصنّع، لا تزال هناك ثغرات تثير الشكوك في نفوس أصحاب الشأن قبل غيرهم. لم يهضم الشارع السني ما قيل عن زعيمه، حتى لو حاولت المملكة تقديم كل اثباتات المؤثرات البصرية والسمعية، التي تبرىء يديها من "دم الاعتقال"، فإنّ "واقعتيّ" الاستدراج والاستقالة المغايرة لمسار الحكومة رئيسها، تبقيان باب التأويلات مفتوحاً على مصراعيه.
ولن يكون تقبّل الشارع السني لـ"المصير المجهول" الذي وضع فيه زعيمهم الأول، سهلاً. حتى لو أنّ "الفاعل" هي السعودية، الحاضن الإقليمي المفترض أنه الأكثر حرصاً على الطائفة وزعاماتها. فكيف بالابن المدلل للديوان الملكي؟
حتى أنّ التعاطف مع الرجل أتاه من الخصوم بقدر الحلفاء. فقد تمكن فيديو الاستقالة من فعل ما عجزت كل مشاريع البروباغندا والدعاية السياسية من فعلها. يقول أحد الوزراء ي توصيفه للواقع المستجد: لقد صار سعد الحريري زعيم 8 آذار!
ولكن مصير الرئاسة الثالثة لا يزال موضع التباس دستوري وسياسي. الرياض استبقت أولياء "الأمر والنهي" في بيروت، أي رئاسة الجمهورية لتعلن أنّ سعد الحريري صار رئيس حكومة سابق. فيما رئيس الجمهورية ميشال عون يتريث في فصل الخيط الأبيض عن الأسود ويترك للمشاورات السياسية تأخذ مداها قبل أن يبتّ الاستقالة "المتلفزة".
علّقت الاستقالة على "شماعة" الانتظار. انتظار عودة سعد الحريري. ساعات قليلة ويحل "لغز العودة". فإما يعود الرجل زعيماً لجبهة معارضة لصيقة للخطاب السعودي الآخذ في التصاعد... وإما يصير اسمه شعاراً على جدران العاصمة: "سعد راجع".
الرئيس نجيب ميقاتي كان أول من طرق باب دار الافتاء ليلتقي بمفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان محذراً من مغبة الشغور في رئاسة الحكومة. أخرج نفسه من دائرة المرشحين للعودة الى السراي الحكومي، قبل أن يخرجه "الخصوم" وهو يعلم جيداً أن السهام ستصوب عليه من لحظة جلوسه في حضرة المفتي، منعاً لتكرار مشهد "حكومة حزب الله" من جديد.
خلال الساعات الأخيرة تحولت دار الافتاء الى محجة للقوى السياسية، السنية منها وغير السنية. الوقوف عند "خاطر" المفتي من بديهيات لغة التهدئة والحوار والترقب. قد لا تطبخ المعالجة السياسية في الدار، لكن بالتأكيد أي طرح للخروج من المأزق يحتاج الى غطاء سني، ودار الافتاء وحدها قادرة في هذه الظروف على تأمين هذه القبة الحديدية.
ثمة شعور في الوسط السني بأنّ "ظهرهم مكشوف". الزعيم الأول في وضعية تثير التساؤلات أكثر من الايجابات. لا معلومة دقيقة تؤكد عودته. وكلما ارتفعت نبرة التصعيد السعودي كلما زاد اليقين بأن السراي قد تبقى شاغرة لوقت أطول.
ولذا لا بدّ من مرجعية مؤقتة تكون بديلة عن الزعامة السياسية او بالحدّ الأدنى راعية لأي مشروع تفاهم محلي يبقي العواصف خلف الحدود. هكذا صارت الدار وعاء للطروحات والأفكار حتى لو أنّ بعضها لا يتخطى عتبة الباب.
عملياً، كان ميقاتي أول من بادر باتجاه البحث عن معالجات، ولو مؤقتة، للخروج من المأزق. الإبقاء على الرئاسة الثاثلة لا معلقة ولا مطلقة لا يخدم السنة، ويجعل من السيبة الوطنية مختلّة. ولذا لا بدّ من جسر عبور ينقل الأزمة من حال التوتر الشديد الى بعض الهدوء كي تحافظ المؤسسات الدستورية على سلامة مسارها وصحتها البنيوية.
ومع ذلك، لم يحن بعد زمن المعالجات الجدية، كما يؤكد أحد المتابعين. أفكار كثيرة لا تزال في بداياتها، وكلها تصب في خانة البحث عن مخرج يبعد شبح اللا استقرار- اذا كان ذلك متاحاً- في ضوء التهديد السعودي الذي صار يستهدف الحكومة اللبنانية من دون مواربة!