كتب غسان ريفي في "سفير الشمال": ثمة إجماع لدى أكثرية من تابع المقابلة التلفزيونية للرئيس سعد الحريري مع الزميلة بولا يعقوبيان من الرياض أمس، "أن الرجل ليس بخير، أو على الاقل لم يكن بخير".
رئيس الحكومة اللبنانية الذي كان يضج بالحيوية والنشاط والطلة البهية المتفائلة قبل مغادرته لبنان على وجه السرعة وإعلان إستقالته، بدا متهدج الصوت، يتحدث بغصة أو ربما بحرقة، حزين، لم يبتسم على مدار ساعة كاملة ولم يأت بطرفة واحدة كما جرت العادة في مقابلاته التلفزيونية السابقة حتى في عز الأزمات التي كانت تعصف به، ما يؤكد المؤكد بأن الحريري كان أو ما يزال يعيش تحت ضغط سعودي كبير يجعله مربكا غير قادر على التعبير، ما جعل مقابلته تقتصر على أفكار محددة فقط، هي: الصدمة الايجابية، النأي بالنفس، والحوار مع كل الأطراف حفاظا على لبنان واللبنانيين.
ثمة إجماع أيضا لدى تلك الأكثرية، أن المقابلة في الرياض نسفت مضامين وعبارات بيان الاستقالة، فمن مفردات قطع الأيدي وزرع الدمار والقتل، والأدوات التخريبية لايران المتمثلة بحزب الله، الى التشديد على التمسك بالحوار مع الحزب ومع كل الأطراف حول السلاح وحول كيفية إكمال التسوية، مع الاشادة برئيس الجمهورية المتمسك بالدستور والذي من حقه أن تقدم له الاستقالة وجها لوجه.
وبما أن كلام الحريري صادر من أرض المملكة العربية السعودية، وفي ظل الاجماع المحلي والدولي على أن إستقالته جاءت بالاكراه، وأنه كان طيلة الاسبوع الماضي محتجز الحرية، فان ذلك يعني تراجعا واضحا في الموقف السعودي من تخيير اللبنانيين بين السلم من دون حزب الله، وبين الحرب بوجوده في السلطة، الى التدقيق في شعار النأي بالنفس، وإعادة صياغته بما يحفظ التسوية اللبنانية ويحفظ لبنان.
كل ذلك يوحي بأن فيلم "تهديد لبنان" الذي تم إخراجه على عجل بانتاج سعودي بدءا من بيان الاستقالة الناري الى التغريدات الاستفزازية للوزير ثامر السبهان وبعض الصحافيين والمحللين السعوديين التي بشرت بالثبور وعظائم الأمور، قد إنتهى أو يكاد وفق القاعدة اللبنانية التقليدية "لا غالب ولا مغلوب"، وبالتالي فان عودة الحريري من المفترض أن تكون حتمية كما وعد، حيث يقضي "السيناريو" الجديد بأن يلتقي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ويقدم له إستقالته، فاما أن يقنعه بالعدول عنها مقابل تشكيل طاولة حوار وطني للبحث من جديد بسلاح حزب الله وتطبيق شعار النأي بالنفس فيستمر العمل الحكومي وكأن شيئا لم يكن، أو أن يقبلها وتصرف الحكومة الأعمال بحضور رئيسها، وتفضي المشاورات النيابية الملزمة الى إعادة تكليف الحريري أو شخصية مقربة منه لتأليف حكومة العهد الثانية على أمل تحقيق الثوابت القديمة ـ الجديدة.
لا شك في أن التضامن اللبناني الذي تجلى بأبهى صوره بقيادة رئيس الجمهورية الذي يهدد باللجوء الى مجلس الأمن والأمم المتحدة لمعالجة قضية الرئيس الحريري في السعودية، إضافة الى الدور الديني والوطني لدار الفتوى، والضغط الذي مارسته عائلة الحريري، والتحرك المصري والفرنسي، وبيانيّ الخارجيتين الأميركية والبريطانية، كل ذلك أحرج السعودية وجعلها تعيد النظر في موقفها من لبنان عموما ومن الحريري على وجه الخصوص. ويبدو واضحا أن السعودية لم تعد قادرة بعد هذا الضغط اللبناني والعربي والدولي أن تحتفظ برئيس حكومة لبنان أكثر من ذلك، أو أن تحجبه عن الاعلام وعن التواصل مع من يريد، فكانت مقابلة الأمس التي ظهر فيها الحريري منهكا مما تعرض له في الأيام الماضية من ضغوط وربما أكثر، ليؤكد من خلالها أنه عائد لاعادة صياغة التسوية، ولتطبيق شعار النأي بالنفس معترفا أن الفضل فيه يعود الى الرئيس نجيب ميقاتي الذي إبتكره، وذلك من أجل الحفاظ على كل المكونات اللبنانية التي يعتبر الحريري نفسه مؤتمنا عليها، من الشيعة الى الدروز والمسيحيين وطبعا السنة.
يقول أحد القياديين اللبنانيين: بالرغم من الارباك الكبير الذي طبع المقابلة التلفزيونية، إلا أنها كان لها أصداء إيجابية، خصوصا أن الجميع كان يخشى من أن يكرر الحريري مضمون بيان الاستقالة غير القابل للتطبيق لبنانيا، لكن بدا أنه تجاوزه وإستبدله بمصطلح الصدمة الايجابية لاعادة تصحيح أسس التسوية، وهذا الكلام ما كان الحريري ليطلقه لولا موافقة السعودية، وبالتالي فاننا اليوم أمام تراجع واضح لمنسوب التوتر الذي كان سائدا.
ويضيف: لا يعني ذلك أن الدنيا ستكون بألف خير، بل أن ثمة مشاكل وأزمات عديدة ستواجه لبنان في المرحلة المقبلة، ولكن تحت سقف التسوية ، خصوصا أن القاصي والداني وكذلك السعودية يعلمون أن هناك أزمات في لبنان لا تحل، إلا عندما تبصر التسوية الشاملة في المنطقة النور، والى أن يحين ذلك، الكل محكوم بالتوافق، وإلا فان الخراب سيكون عاما.
(سفير الشمال)