تحت عنوان "عن تريُّث الحريري و"الجرّاحين" والمصدومين!" كتب نبيل هيثم في صحيفة "الجمهورية": نزل البلد عن شجرة الاستقالة، وتريّث الرئيس سعد الحريري، في تقديمها، ولكن من دون أن يحدد سقفاً زمنياً لهذا التريّث. ربط الحريري تريّثه وعدم الذهاب الى الاستقالة، بالاستجابة لتمنّي رئيس الجمهورية ميشال عون عليه، وبإعطاء فرصة لمعالجة الأسباب الدافعة الى هذه الاستقالة.
والواضح انّ قرار الحريري هذا يحظى بمباركة دولية شاملة، وكما تكشف معلومات ديبلوماسية، فإنّ هذا الدعم الدولي الواسع فرض على أطراف
إقليمية إعادة تقييم لمواقفهم التي واكبت أزمة الاستقالة، خصوصاً انّ القراءة الدولية لِما حصل أظهرت ما يلي:
أولاً، انّ هذه الاطراف لم تُحسن قراءة موازين القوى في المنطقة، وحقيقة التحولات التي تشهدها في اكثر من ميدان، وتحديداً في سوريا والعراق. والتي، أي التحولات، فَرضتها إرادة قوى إقليمية وازِنة مدعومة بغطاء روسي صَلب، بدأ يؤتي ثماره بالأمس في سوتشي.
ثانياً، انّ هذه الاطراف أخطأت في قراءة موازين القوى في لبنان، وأساءت تقدير الموقف اللبناني، فاصطدم أداؤها الذي واكَب إعلان استقالة الرئيس الحريري من الرياض، بجَو التضامن اللبناني المفاجئ، وبأداء رئاسي قرر السير في كل الاتجاهات وحتى لو اضطرّ الأمر نحو مجلس الامن لاستعادة رئيس الحكومة، وبحقيقة انّ الانتقال بهذا البلد الى ساحة توتر واشتباك، دونه افتقاد القدرة على ذلك.
وافتقاد الادوات الحامية لهذا الانتقال، ودونه ايضاً الموقف الاميركي الذي جرى التأكيد عليه امام اللبنانيين وكذلك امام مسؤولين عرب كبار، بما مفاده انّ واشنطن لن تسمح لأحد بإطاحة الاستقرار اللبناني لأيّ سبب كان، ذلك انّ إطاحة هذا الاستقرار في وقت يشعر "حزب الله" أنه يحقق انتصارات ميدانية في الاقليم، معناها دفع الحزب الى الإمساك بالبلد.
ثالثاً، انّ هذه الاطراف أخطأت في مقاربة التسوية السياسية الحاكمة للوضع اللبناني، وفي الإفصاح عن نوايا في تعديلها او نسفها، في وقت انّ هذه التسوية وكما أفادت العماد ميشال عون وفريقه وأوصَلته الى رئاسة الجمهورية، أفادت ايضاً الرئيس الحريري وأوصَلته الى رئاسة الحكومة.
إذاً، الفائدة مشتركة، وأيّ إخلال بالتسوية سيكون على حساب من يَخلّ بها. وكذلك على البلد، حيث اذا ما فَرطَت هذه التسوية سيتعذّر الوصول بسهولة الى تسوية جديدة تؤدي الى الترحّم على التسوية الحالية.
في أيّ حال، خرج الحريري من قفص الاستقالة الى ساحة التريّث، وكان لقراره هذا وَقعه الايجابي داخلياً، والتَرييحي للمناخ العام في البلد؛ كان متوقعاً من قبل عدد محدود جداً من السياسيين، عَملَ، وما يزال في اتجاه احتواء استقالة الحريري وتداعياتها اللبنانية والعربية والخليجية منها على وجه الخصوص.
وذلك بالتعاون والتنسيق، أو بالتقاطع مع بعض العواصم العربية والغربية المؤثرة والصديقة للبنان، وفي مقدمها باريس والقاهرة. وتسلّح هذا العدد المحدود من السياسيين بدعم دولي، واحتضان داخلي لم يسبق أن شهد لبنان مثيلاً له من قبل. بل انّه، أي التريّث، كان مفاجئاً للشريحة الواسعة من اللبنانيين، التي كانت مسكونة بهاجس الانتقال الى أزمة داخلية مفتوحة على كل الاثمان وشتّى الاحتمالات السلبية.
إلّا انه في المقابل، جاء صادِماً لمجموعة راهنت على انقلاب المشهد رأساً على عقب، تطير فيه رؤوس وزعامات وتَجيء مكانها زعامات بديلة. وأولى الضحايا المحددة لانقلاب هذا المشهد، الحكومة ورئيسها على وجه الخصوص.
وثمّة صدمة ثانية لهؤلاء تَجلّت في ما يُحكى عن "عملية جراحية" تجري بعيداً عن الاضواء والضجيج والاعلام، داخل أحد التيارات السياسية لإعادة ضَخ الدم في بعض الشرايين السياسيّة التي "نَشّفت" منذ اللحظة الاولى لتلاوة بيان الاستقالة من الرياض، ولمحاولة فرز ألوان صورة ما بعد عودة الحريري وتريّثه وإعادة تجميعها على نحو مُغاير لِما كانت عليه في 4 تشرين الثاني 2017. وفَصل مَن كان مع، عَمّن كان ضد، والشامتين عن المتضامنين، والحفّارين النافِخين في نار الاستقالة، عن رادِمي الحفَر والإطفائيين.
لقراءة المقال كاملًا
إضغط هنا
(نبيل هيثم - الجمهورية)