توقفت الصحف اليوم عند عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان، والاستقبال الجماهيري الحاشد له، ولفتت "اللواء" إلى أن الحريري كان "نجم" العرض العسكري الذي اقامته قيادة الجيش في ذكرى الاستقلال في جادة شفيق الوزان، حيث لقي ترحيباً حاراً من الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، ثم انتقل بسيارة واحدة مع رئيس المجلس التي قادها بنفسه إلى بعبدا، وهناك عقد الرؤساء الثلاثة اجتماعاً طويلاً، قبل أن يتحوّل إلى خلوة ثنائية، أذاع بعدها الحريري بيان التريث عن تقديم الاستقالة، معلناً التجاوب مع تمني عون "التريث في تقديم الاستقالة والاحتفاظ بها لمزيد من التشاور في أسبابها وخلفياتها السياسية".
وعلمت "الجمهورية" انّ اتصالات مكثّفة جرت ليل الثلثاء ـ الأربعاء بين أطراف لم يتجاوز عددهم أصابعَ يدٍ واحدة وكان محورها عون - بري - الحريري عبر معاونيهم، ترافقَت مع اجتماعات بين الوزيرين علي حسن خليل وجبران باسيل ومعاون الأمين العام لـ"حزب الله" الحاج حسين خليل، وتخَلّلها تنسيق مع مستشار رئيس الحكومة نادر الحريري فأفضت الى التسوية ـ البيان الذي أجرى بري والحريري مراجعةً أخيرة له وهما في طريقِهما من مكان الاحتفال بعِيد الاستقلال الى بعبدا قبل ظهرِ الاربعاء.
إلى ذلك، تحدثت جهات سياسية لـ"النهار" عن توقف البعثات الديبلوماسية في بيروت باهتمام عند الحشد الشعبي لـ"تيار المستقبل" الذي شهده "بيت الوسط" الاربعاء والدلالات البارزة التي انطوى عليها اذ اعتبر بمثابة استنهاض واسع غير مسبوق منذ انتخابات عام 2009 النيابية. وقالت إن الحشد جاء من مختلف المناطق اللبنانية التي يتمتع فيها "المستقبل" بثقل تمثيلي وإن الاستفتاء المتجدد لزعامة الحريري اتخذ بعداً جديداً لا بد ان يترك اثره الواسع على مجمل أوضاع الشارع السني وتالياً اللبناني الأوسع.
زمن "التيار الأزرق"
وعقد "المستقبل" اجتماعاً مشتركاً ظهر أمس جمع كتلته النيابية ومكتبيه السياسي والتنفيذي برئاسة الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط، وخلص وفق البيان الذي تلاه نائب رئيس التيار النائب السابق باسم السبع إلى الإعراب عن الارتياح التام لعودة رئيسه "إلى موقعه الطبيعي في قيادة المسيرة السياسية والوطنية"، مثمناً تجاوب الحريري مع تمني رئيس الجمهورية التريث في الاستقالة من رئاسة مجلس الوزراء باعتبارها "خطوة حكيمة لأجل مزيد من التشاور حول الأسباب والخلفيات وإعادة الاعتبار لمفهوم النأي بالنفس والامتناع عن كل ما يسيء إلى علاقات لبنان بأشقائه العرب". وختم: "إنه زمن التيار الأزرق الذي ينتفض مجدداً دفاعاً عن استقرار لبنان وسلامة العيش المشترك بين أبنائه وتحصيناً لعروبته في وجه المتطاولين عليها".
برّي يتحدّث عن مخرج
ولفتت "الجمهورية" إلى أن الرئيس بري أبدى أمام زوّاره أمس ارتياحه إلى المناخ السياسي السائد في ضوء تريّثِ الحريري في الاستقالة، منوّهاً في هذا السياق بالبيانين الصادرين عن تيار "المستقبل" وكتلة "الوفاء للمقاومة" لتضمّنِهما "إيجابيات ملحوظة"، وكشَف عن "جهود تُبذل في سبيل بلوغ مخرج للأزمة السياسية السائدة"، ولم يدخل في تفاصيل حولَ هذا المخرج، وقال: "الشغل ماشي والجميع يعمل، المهم أن نأكل العنب في النهاية، الجميع يَعملون والحلّ ستجدونه أمامكم، وأعتقد انّه لا يجب ان تطولَ محاولة الوصول اليه، إذ لا يجوز ان يبقى الوضع لشهرٍ أو شهرين، او حتى لأسابيع، بل المطلوب ايام قليلة"، وقال: "لا خيار سوى أن نمشي في محاولة البحث عن حلّ، وإن شاءَ الله الامور ماشية والمطلوب من كلّ طرَف ان يتقدّم خطوة الى الامام حتى نلتقي في منتصف الطريق وهناك استعداد لدى الجميع".
مشاورات لـ"الطائف" والنأي بالنفس
كذلك كشفَت مصادر "النهار" و"اللواء" و"الجمهورية" أنّ الرئيس ميشال عون ليس بصَدد تنظيم طاولة حوار إنّما سيُجري بعيداً مِن الأضواء مروحة اتّصالات ولقاءات تشاورية، وستكون ثنائية في المرحلة الأولى حول ثلاثة عناوين أساسية، وهي:
· إعادة الاعتبار للنأي بالنفس عن الحروب والصراعات المحيطة.. بشكل فعلي وعملي، ضمن تفاهم يوضع وضع التنفيذ
· الامتناع عن كل ما يُسيء إلى علاقات لبنان بأشقائه العرب.
· رفض تدخل أي جهة لبنانية أو إقليمية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية..
وقالت مصادر مطلعة لـ"اللواء" ان هذه النقاط محور المشاورات الثنائية أو الموسعة التي سيطلقها الرئيس عون بالتفاهم مع الرئيسين نبيه برّي والحريري، كاشفة ان الأزمة التي يُعمل علىاحتوائها الآن ما تزال قائمة، وأن الرئيس الحريري يحرص على وضع فحوى استقالته قيد البحث الجدي.
وقالت مصادر مطلعة لـ"النهار" إن هذا السيناريو جاء نتيجة اتصالات داخلية مهدت المخرج لتريث الحريري في استقالته منذ الخطاب الاخير للامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله والذي نفى فيه أي علاقة للحزب في الحرب الدائرة في اليمن وعدم تدخله في الكويت أو في البحرين أو في أي بلد عربي.
واوضحت مصادر رسمية متابعة للاتصالات واللقاءات التي تلت إعلان الرئيس الحريري التريث بتقديم استقالته رسميا، لـ"اللواء" ان الرئيس عون اجرى امس في اتصالاته ولقاءاته تقييماً للموقف وللمناخات السياسية، لكنه سيأخذ وقته الكافي لتقرير المسار الذي سيسلكه في مشاوراته مع القوى السياسية، مستبعدة احتمال عقد طاولة مستديرة تجمع كل الاطراف لأن التجربة السابقة بالطاولات المستديرة لم تكن مشجعة. لكن قدتكون اللقاءات مصغرة ثنائية او ثلاثية ولا سقف زمنياً لها.
إلى ذلك، اشارت مصادر "اللواء" الى ان لا خلاف على مبدأ "النأي بالنفس" لكن هناك اختلافاً في تفسيره، فالبعض يريد النأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية-العربية، والبعض الاخر يرى النأي بالنفس عن الصراعات العربية – العربية.والمهم في البحث كيف تتم ترجمة النأي بالنفس. لذلك سيأخذ الرئيس عون وقته لأن الامور غير واضحة بعد.
وتحدثت معلومات "اللواء" بأن "الرئيس بري سيشارك في الاتصالات والمشاورات وقد يكون لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط دوراً ما أيضا. خاصة انه بدأ تحركه مساء امس بلقاء مع الرئيس الحريري في بيت الوسط.
وقال مصدر وزاري لـ"اللواء" ان لا جلسات لمجلس الوزراء في هذه المرحلة، مشيراً إلى ان فترة التريث قد تطول، وهي بالتأكيد ليست خلال أسبوعين كما تردّد سابقاً.
وأكّد مصدر وزاري بارز في فريق 8 آذار لـ"الجمهورية" "انّ الأمور عادت الى ما كانت عليه قبل سفرِ الحريري الى السعودية، وتباعاً ستستعيد الحكومة عافيتَها ومعها البلد"، كاشفاً "أنّ معظم ما تمَّ الاتفاق عليه داخل دائرة ضيّقة جداً منذ خروج الحريري الى منزله الباريسي قد تحقّقَ ضِمن خريطة طريق من نقاط عدة يقدر الجميع عليها من دون تحميلِ أيّ فريق ما لا يقوى على فِعله، فتنازُلات محدودة ومعقولة كانت وافيةً للغرض وجَعلت الفريقَين يلتقيان في منتصف الطريق".
وأشارت مصادر بيت الوسط لـ"الجمهورية" أنّه وإلى جانب اللقاءات التي عَقدها رئيس الحكومة امس هناك جانبٌ آخر مِن نشاطه لم ولن يعلنَ عنه، فهو، الى ورشة الإتصالات التي تعهّد بها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، عليه ان يُجريَ اتصالاته الخاصة لملاقاتها في ظروف أوحَت بتوزيع أدوار متقَن تمّ التفاهم عليه في اللقاء الرئاسي الثلاثي في قصر بعبدا الذي انتهى الى تجاوبِ رئيس الحكومة مع رغبة رئيس الجمهورية بالتريّث في الاستقالة بعدما لاحَظ الجميع أنّ البيان الذي تلاه الحريري بعد لقائه وعون يعني انّه كان ثمرةَ تفاهمٍ سبق اللقاءَ، ما جعله يعدّ بيانه سلفاً، في خطوةٍ لم تكن منتظرة لدى كثير من المحافل السياسية والحزبية وشكّلت في رأي أوساط "بيت الوسط" صدمةً إيجابية ثانية بعد الصدمة التي أرادها من إعلان الاستقالة في الرياض.
وفي سياق آخر، لفت غياب اللقاءات الرسمية أمس عن قصر بعبدا، وتحدثت دوائره لـ"الجمهورية" عن أنّ رئيس الجمهورية عكفَ على تقويم التطورات التي اعقبَت عودة الحريري وموقفه المتجاوب مع رغبته بالتريّث في تقديم استقالة حكومته. وقد عَقد لهذه الغاية اجتماعات مع فريق عمله تمهيداً لِما يجب اتخاذه من قرارات في المراحل القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى.
ولفَتت هذه الدوائر لـ"الجمهورية" الى "أنّ ما شهده القصر الجمهوري في عيد الاستقلال عزّز الاستقرار على كلّ المستويات، ولا بدّ من اتّخاذ التدابير المتأنّية لعبور المرحلة المقبلة بالطريقة التي تضمن هذا الاستقرار الذي تُرجِم أمس انفراجات واسعة على كلّ الصُعد الوطنية والسياسية والمالية والاقتصادية، وهي أمور تزيد من اقتناع رئيس الجمهورية بضرورة التأنّي في اتخاذ الإجراءات التي تحمي كلّ هذه الإنجازات ولا سيّما منها تلك التي اعقبَت تجاوبَ رئيس الحكومة مع رغبته بالتريّث في الاستقالة لإفساح المجال امام عددٍ من الإجراءات التي تنتفي معها الظروف التي دعَته الى الاستقالة"، مضيفة "إنّ البلاد انتقلت اوّل مِن امس من مرحلة الى أخرى وإنّ رئيس الجمهورية يسعى الى تحصينها بالقرارات المناسبة وإنّ اتصالاته الداخلية والخارجية في هذه المرحلة ستبقى سرّية الى ابعدِ الحدود على قاعدة: "إستعينوا على قضاء حاجاتكم بالكتمان".