في ظل حالة الحرب (النفايات) التي نعيشها، وغياب الدولة الراعية والمتماسكة، يصبح من الصعب التعامل مع الأزمات. في مثل هذه الحال، لا بد من خطة طوارئ. كما لا بد من هيئة طوارئ لإدارة الأزمة برئاسة رئيس الحكومة. ولكن أي خطط يمكن التفكير فيها في ظل تراكم المشكلة وتداخلها مع السياسي والمناطقي والاستثماري والمذهبي والاجتماعي والطبقي...؟
عندما تقع الأزمات، تكثر الاقتراحات مع تكاثر الشكاوى، مما يصعّب عملية اتخاذ القرارات الإنقاذية. هذا ما يحصل في قضية النفايات. صحيح ان الأزمة التي وقعت كانت متوقعة، وطالما تم التحذير منها، إلا ان الأوان ليس للحساب، بل لابتداع الحلول من عمق الأزمة.
مر أكثر من عشرة أيام على الأزمة الفعلية وكل يوم يتم التداول باقتراحات مختلفة للخروج من الأزمة فيما تتراكم النفايات يوما بعد يوم. تراوحت هذه الاقتراحات بين إعادة فتح مطمر الناعمة الذي طالما كان مقرا للتمديد المؤقت، او ايجاد مواقع ومراكز جديدة للمعالجة والطمر، او توزيع النفايات على مكبات المناطق كافة، او ابتداع أي حل مؤقت لـ6 أشهر (قبل ان يستدرك وزير البيئة امس ويطلب 9 أشهر وهي مهلة الحد الأدنى لإيجاد أماكن وتجهيزها لأبسط الحلول) على ان يتم إيجاد بدائل، تتراوح أيضا بين محرقة مركزية لبيروت او مراكز معالجة وطمر وحرق في معامل الترابة لكل منطقة (او قضاء)، او الترحيل الى القرى الحدودية (سرار في عكار، او عرسال) او الى السلسلة الشرقية، او الشحن الى الخارج، او ان تتولى كل بلدية بنفسها معالجة نفاياتها عبر التعاقد مع شركات واعتماد خيار الفرز والتخمير ان من المعامل او من المصدر او اعتماد الخيارين معا... الخ.
فكيف يمكن تقييم كل هذه الخيارات المطروحة وبناء على اية قواعد ومعايير؟
نسارع الى القول ان أفضل الأنظمة للمعالجة هي الأنظمة والتقنيات الأقرب الى دورة الطبيعة الدائرية. ففي الطبيعة كل شيء يتحول ولا شيء يضيع. وكلما اقترب أي نظام من خطط المعالجة من هذا النظام الطبيعي، يكون هو الأفضل على كل المستويات. هذا من ناحية المبدأ. اما من ناحية التفاصيل، فان اقتراح نقل النفايات كما هي الى الحدود، لا يبدو منطقيا بسبب بعد المسافات والحاجة الى أسطول ضخم من وسائل النقل والوقت الطويل للوصول مما يتسبب بزيادة أزمة السير والكثير من الانبعاثات.
وكذلك الأمر بالنسبة الى فكرة الشحن الى الخارج التي تتطلب مراحل تجميع وفرز وكبس وتوضيب والتي ينجم عنها عصارة سامة يفترض معالجتها وإضافتها الى الكلفة العالية أصلا. كما ان خيار الحرق (مع توليد الطاقة او من دون)، وبالإضافة الى كونه خيارا مكلفا ويحتاج الى ما لا يقل عن أربع سنوات لوضع دفاتر الشروط وإجراء المناقصات والتلزيم والتشغيل وله مواصفات شديدة الحساسية ليس للبنان بإدارته الحالية قدرة على الوفاء بها. بالإضافة الى خيار الطمر الذي يحتاج الى اماكن مختارة بعناية بعيدا عن أي مصدر من المياه ولاسيما الأحواض الجوفية وهذا هو الأساس في الاختيار وليس الأماكن المشوهة بالكسارات كما هو معتمد الان. كما يحتاج الى مواصفات عالية جدا وتجهيزات دقيقة لعدم تسرب السوائل وسحب الغازات وقدرة استيعابية وكميات محدودة سلفا لا يمكن تجاوزها... الخ
الا ان اللافت في كل هذه الخيارات المطروحة، انها كلها تحتاج الى عمليات فرز للنفايات سواء من المصدر (وهو الخيار الأفضل) او الفرز من المعمل. لان المحارق لتوليد الطــاقة لا تحــرق كل شيء ولاسيما المواد العضــوية وكــذلك الأمر بالنسبة لمحارق شــركات الــترابة التي تحتاج الى مواد مفروزة ومصــنفة. كذلك الأمر بالنسبة الى المطامــر والنــقل الى الحدود او الخارج ... التي تحتاج قبل ذلك الى عمليات فرز حتمية... الخ
وحتى لو اعتمدنا خيار اللجوء بشكل طارئ الى الرمي في المكبات العشوائية الموجودة، مع العلم ان الفترة الطارئة التي نتحدث عنها لا تقل عن 9 أشهر كحد ادنى... فان فرزها (في المنزل او المعمل او الاثنين معا) لإخراج منها المواد العضوية والمواد القابلة لإعادة التصنيع وترك المواد الباقية في أي مكان تختاره البلديات في الهواء الطلق ... يخفف الأعباء والتلوث والروائح عن الناس والطبيعة والصحة. مع الإشارة الى القاعدة التالية: كلما نجح الفرز في المصدر تحــسن اداء هذا النظام، لناحية توفير الأماكن وتوفير المال (عبر عدم الصرف على التقنيات المكلفة وبيع المواد القابلة لإعادة التصنيع) وتوفير الروائح والتلوث وتوفير النقل لمسافات بعيدة وتوفير مواد أولية من الطبيعة. فاذا كان الفرز هو العنصر المشترك والرئيسي في كل هذه الخيارات،
لماذا لا يتم البدء به البارحة قبل الغد بقرار تتخذه الدولة اولا والسلطات المحلية ثانيا وكل مواطن ثالثا، فيتشارك الجميع في تحمل مسوؤلية إنضاج الحل العادل والشفاف. ويمكن بموازاة ذلك ان تتم الاستعانة اولا بمعامل الفرز والتسبيخ الموجودة والعمال العاملين حاليا في الكنس والجمع من الشارع والمنازل والمؤسسات في الفترة الانتقالية للتخفيف الى ابعد الحدود من كمية النفايات التي ستذهب الى أي مكان، سواء مطامر او مكبات او مراكز تجميع للبلديات، بعد ان توزع هذه الأخيرة على المنازل نوعين من الأكياس لفرز العضوي وغير العضوي، تطبيقا لهذه الخطة. على ان تستكمل بلائحة ضرائبية على بعض المواد للتخفيف من استخدامها عند المصنع او التاجر او المستهلك.
فهل يمكن السير في هذه الخطة الطارئة (لفترة 9 اشهر على الأقل) التي تحتوي على العناصر الأساسية اللازمة لتصبح خطة دائمة واستراتيجية، وكسب هذا الوقت لإعادة النظر بخطة الحكومة وقراراتها لاسيما القرار المشؤوم الذي حمل الرقم واحد بتاريخ 12/1/2015 وإعادة طرح مناقصات جديدة انطلاقا من روحية الخطة المقترحة؟
(حبيب معلوف – السفير)