أرسى لقاء الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري في بعبدا أمس جوّاً من الاستقرار السياسي بعد التوتر في الأيام الماضية، وذلك على وقعِ حراكٍ ديبلوماسي أميركي باتّجاه لبنان، بدأ بوصول مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد على أن يلي ذلك زيارة لوزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون، وهي العناوين التي ركزت عليها صحف اليوم.
ووصفت مصادر مطلعة لـ"النهار" جو الاجتماع الثلاثي بأنه كان "جيداً جدّاً"، وتخلله حوار عميق وصريح بين الرؤساء، والبيان الرسمي الذي صدر على اثره أكد جملة ثوابت تمنع التشكيك في ما اتفق عليه.
ولفتت "الجمهورية" إلى أن اللقاء الرئاسي نجح في إعادة الحرارة إلى العلاقات بين الرئاسات الثلاثة بعد توتّرٍ سادها منذ مرحلة ما بعد عيد الاستقلال، فهدموا الجدار الذي فصَل بينهم وصوَّبوا سلاح الموقف في اتّجاه الجدار الإسرائيلي على حدود لبنان الجنوبية.
ورأت "الجمهورية" أن أولى ترجمات نتائج هذا اللقاء تمثّلت بالاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى اليوم في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية، وكذلك بدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد في قصر بعبدا أيضاً غداً لمناقشة جدول أعمال مِن 93 بنداً وُزِّع على الوزراء.
وعلمت "الجمهورية" و"الأخبار" أنّ اللقاء الرئاسي لم يتطرّق إلى "فيديو مِحمرش"، والأزمة بين بري وحركة "أمل" مِن جهة والوزير جبران باسيل و"التيار الوطني الحر" من جهة ثانية، وذلك بناءً على اتّفاقٍ ضمنيّ مسبَق بأن تأخذ معالجة هذه الأزمة مساراً مختلفاً وأن يجريَ فصلها عن علاقة الرؤساء بعضهم مع بعض.
وعلمت "الجمهورية" أنّ اللقاء الذي ساده "جوّ ودّي" تخلّلته بعضُ الطرائف والكلام العام في مسائل شخصية و"قفشات" طريفة، دلّت إلى مدى الانسجام بين الرؤساء الثلاثة الذين كان الجامع المشترك في ما بينهم الحِرص على استقرار البلاد.
ووصَفت مصادر متابِعة أجواءَ اللقاء الرئاسي بـ"الجيّدة جداً"، وقالت لـ"الجمهورية": "إنّ اللقاء كان عميقاً وصريحاً وسادته مودَّة كاملة. وعرَض المجتمعون لسلسلةِ مواضيع في سياق العرضِ السياسي، انطلقَ من التهديدات الإسرائيلية وضرورة مواجهتها، ومن ثمّ الملفات الداخلية".
وأضافت مصادر"الجمهورية": "في الموضوع الأوّل، كان هناك تأكيد على ضرورة التنبُّه لنيّات إسرائيل بالتصعيد في لبنان. واستعرَض المجتمعون المعالجات السابقة وخصوصاً في موضوع ترسيم الحدود البحرية من خلال زيارات لموفدين دوليّين وأميركيين في السنوات الماضية. وقد أجرى الرؤساء الثلاثة عرضاً تاريخياً شاملاً لهذه المسألة في ضوء الملاحظات الصادرة من مختلف الجهات، ولا سيّما الأميركية المتابعة له. وجرى الاتفاق على متابعة الاتصالات الدولية للمحافظة على حقّ لبنان بمياهه الإقليمية وعدم خسارة أيّ نقطة بترولية".
وكشَفت مصادر"الجمهورية" و"اللواء""أنّ الاتصالات سيقودها الرؤساء عون وبري والحريري بهدفِ المحافظة على الحقول النفطية اللبنانية". وركّز المجتمعون "على أهمّية متابعة الاجتماعات مع الأمم المتحدة والقوات الدولية لتأكيد موقف لبنان الرافض لأيّ تعَدٍّ في ملفَّي ترسيم الحدود والنقاط الـ 13 المختلَف عليها، مع توجّهٍ إلى تفعيل هذه الاتصالات السياسية والديبلوماسية". كذلك أشارت إلى أنّ المجلس الأعلى للدفاع سيتّخذ إجراءات ميدانية استكمالية.
وفي المواضيع الداخلية، كشَفت مصادر "الجمهورية" و"اللواء" أنّ مرسوم الأقدمية نال حيّزاً كبيراً من النقاش، بحيث عرَض كلّ طرفٍ وجهة نظره، وبَرز تأكيد وتصميم على نحوٍ يَحفظ حقوقَ الضبّاط، أي الأقدمية التي أعطِيَت لهم، ويؤمّن صدورَ مرسومِ الترقيات من 1/1/ 2018 كما أعدَّته الأجهزة الأمنية المختصة.
وعلمت "الجمهورية" أنّ عون قال: "ما يَهمّني هو حقوق العسكريين"، مؤكّداً سيرَه بطرقِ المعالجة التي تمّ الاتفاق عليها، وكذلك تمّ الاتفاق على تعديل المادة المتعلقة بالبطاقة الممغنَطة في قانون الانتخاب لكي لا يُصار إلى الطعن لاحقاً. واتّفقَ أيضاً على الإسراع في إقرار الموازنة العامة وإحالتِها إلى مجلس النواب لإنجازها قبل انتخابات النيابية. وتطرّقَ المجتمعون إلى الدورة التشريعية الاستثنائية، وكان تفاهمٌ على ضرورة فتحِها لإنجاز الموازنة.
غسيل قلوب في بعبدا
وسألت "اللواء": "هل شكل اللقاء الرئاسي الثلاثي في قصر بعبدا "وقفة تضامنية" مع البلد وتحدياته، لا سيما الاعتداء الإسرائيلي براً وبحراً، على طول الخط الأزرق، وصولاً إلى بلوك 9 في البحر المتوسط، قبالة الناقورة؟، مشيرة إلى أن المعطيات المتوافرة لديها تؤكد هذا المنحى، وهذا ما فهم من الرئيس نبيه برّي امام زواره في عين التينة، عندما وضع للقاء بعبدا الثلاثي عشرة على عشرة.
وبدا لـ"اللواء" ان ضخّ كمية معقولة من التفاؤل، خير من الاقتصار على التوقع أو الانتظار، في ظل معطيات الحرب المستمرة في سوريا والتهديدات الإسرائيلية المتمادية سواء لجهة بناء الجدار الاسمنتي، تجاوزاً للقرار 1701 وانتهاكاً له، أو الادعاء الذي لا سند له بأن إسرائيل تملك البلوك 9 في البحر، والضغط على الشركات الدولية لعدم توقيع عقد استخراج الغاز والنفط من البحر اللبناني.
وتحدثت معلومات "اللواء" عن مدخل للمعالجة يبدأ بوضع خطة دعي مجلس الدفاع الأعلى لوضعها اليوم، برئاسة الرئيس ميشال عون، على ان تسير بالاتجاهات الدبلوماسية والميدانية لمنع "اسرائيل من بناء الجدار الاسمنتي عند الحدود الجنوبية، والحؤول دون "التعدّي" على ثروات لبنان النفطية في المياه الإقليمية اللبنانية".
وكشفت مصادر "اللواء" ان الرؤساء الثلاثة على مدى ساعة ونصف "فضفضوا" بالكلام حول أزمة الأيام العشرة، والمخاطر التي كان من الممكن ان تترتب عليها، واصفة الجلسة الرئاسية بأنها كانت أشبه "بغسيل قلوب" من أجل طي الصفحة المؤلمة والانطلاق إلى الامام، "ووضع أطر معالجة" للملفات الخلافية، بدءاً من مرسوم الاقدمية والترقيات، حيث قالت المصادر انه لم يتم التوصّل إلى مخرج مقبول من الرؤساء الثلاثة للمرسوم، من زاوية ان هناك اشكالاً دستورياً، بين مَنْ يرى ان المرسوم يحتاج إلى توقيع وزير المال، ومَنْ يرى ان لا حاجة لتوقيع الوزير.
وبالنسبة لفتح عقد استثنائي لمجلس النواب، قالت مصادر"اللواء" انه اتفق على صدور مرسوم بفتح عقد استثنائي لمناقشة وإقرار موازنة العام 2018.. لأنه لا يجوز بحال من الأحوال الإنفاق على القاعدة الاثني عشرية..
وأفادت معلومات "اللواء"، بأنه في خلال الاجتماع الذي بدأ ثنائياً لمدة 20 دقيقة بين عون و برّي، قبل ان ينضم إليه الحريري، والذي استغرق أقل من ساعة ونصف الساعة، كان عون يعرض الأفكار والرئيس برّي يتجاوب، فيما بدا الحريري مهتماً بالتوافق، وفي الخلاصة، طويت أزمة الأيام العشرة مع رواسبها السابقة، ويتطلع الرؤساء حالياً إلى الاستحقاقات المقبلة، وإلى التعاون لاراحة البلد وإعطاء الأمل للمستقبل، الا ان ذلك يبقى مرهوناً بالايام والأسابيع والأشهر المقبلة، وبدا واضحاً ان الاجتماع ولّد أجواء ارتياح قبل موعد الانتخابات النيابية التي يرصدها المجتمع الدولي، كما انه يمهد الطريق لمعالجة ملفات عالقة أو لتحريك أخرى، وامام هذا التوافق لم يعد للفيديو المسرب لوزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل أي مكان لا للنقاش ولا للعتاب.
وعلمت "اللواء" ان المجتمعين استعرضوا مختلف المواقف الصادرة من الجانب الإسرائيلي التي توحي بنيات تصعيدية بحق لبنان، كما استعرضوا المعالجات التي تمت سابقاً لا سيما في موضوع ترسيم الحدود البحرية خلال زيارات لموفدين دوليين واميركيين في السنوات الماضية.
وقالت مصادر"اللواء" ان الرؤساء اجروا عرضاً تاريخياً لجميع النقاط المتعلقة بهاتين المسألتين وذلك في ضوء الملاحظات الصادرة عن مختلف الجهات، كما للمتابعة الأميركية له، لافتة إلى ان اتفاقاً برز على متابعة الاتصالات الدولية للمحافظة على حق لبنان في مياهه الدولية وعدم خسارة أي نقطة بترول، ولا سيما في اللقاءات التي ستجري اليوم مع نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية السفير ديفيد ساترفيلد الذي وصل إلى بيروت أمس، والتقى مساءً الرئيس الحريري في إطار المهمة المكلف بها والتي تتعلق اساساً بالوضع على الحدود الجنوبية والبلوك النفطي رقم 9.
وقالت مصادر "اللواء" ان الرؤساء تطرقوا إلى موضوع الموازنة، وجرى الاتفاق على الإسراع في عرضها على مجلس الوزراء واقرارها واحالتها الى مجلس النواب ودراستها من قبل اللجان المعنية لإنجازها إذا كان ممكناً قبل اجراء الانتخابات النيابية. وتمت خلال اللقاء الإشارة إلى خفض نسبة الـ20 في المائة التي تؤثر على الموازنة، مضيفة "اما بالنسبة إلى الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، فقد كانت في صلب المحادثات الرئاسية، حيث جرى التداول بها في السياق العام من أجل إقرار الموازنة إذا تعذر الأمر في الدورة العادية للمجلس".
برّي يعطي اللقاء "عشرة على عشرة"
ولفتت "اللواء" إلى أن الرئيس برّي حرص على وصف الاجتماع بعد انتهائه بأنه كان مثمراً، مؤكداً مساءً أمام زواره أنه مرتاح لاجتماع بعبدا "وأعطيه علامة عشرة على عشرة".