طغى ملف الكهرباء بقوة على أجواء جلسة مجلس الوزراء أمس من زاوية وجوب إيقاف دوامة الاستنزاف المستمرة في هذا الملف لحساب جيوب "مافيات الموتورات" وعلى حساب جيوب المواطنين وحقهم المكتسب في الاستحصال على التغذية بالتيار بعيداً عن المزايدات والطوباويات التي تغرق البلد بشعارات وكليشيهات إصلاحية لا تُسمن ولا تُغني من عتمة.
وأشارت "المستقبل" إلى أن رئيسي الجمهورية ميشال عون ومجلس الوزراء سعد الحريري وضعا جميع المكونات الحكومية أمام مسؤولياتهم بغية إيقاف مسلسل وضع العراقيل أمام عجلة الحلول الموقتة لأزمة الكهرباء توصلاً إلى تأمينها للناس ريثما ينتهي العمل على إنشاء معامل الإنتاج الدائمة للطاقة، وطالبا في المقابل المعترضين على استجرار الطاقة من البواخر بتقديم البديل عن هذا الخيار الموقت وطرحه على طاولة مجلس الوزراء لمناقشته والبحث فيه.
وعن وقائع جلسة بعبدا أمس، أوضحت مصادر وزارية لـ"المستقبل" أن رئيس الجمهورية وقبل الخوض في جدول أعمال الجلسة أثار ملف الكهرباء متوجهاً إلى الوزراء بالقول: "لم يعد مقبولاً المزيد من المماطلة في إيجاد الحلول الموقتة للأزمة"، وسأل: "مسألة إنشاء المعامل تحتاج إلى ما بين 3 و5 سنوات حتى تصبح جاهزة لإنتاج الطاقة فهل نبقي الناس حتى ذلك الوقت بلا كهرباء؟ أريد أجوبة وحلولاً بديلة وإلا فإنني مضطر للحديث عن العقبات التي تعترض معالجة الأزمة أمام الرأي العام والإعلام".
ولفتت "المستقبل" إلى أن الحريري لفت انتباه الجميع إلى أنّ ترك هذا الملف غارقاً ومستغرقاً في المراوحة يعني إفساح المجال أمام "مافيا الموتورات" لكي تستفيد أكثر فأكثر على حساب جيوب الناس والخزينة، ثم تولى وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل شرح التبعات السلبية لطرح وزراء "القوات اللبنانية" استقدام مولدات خاصة ووضعها في محطات توليد الطاقة كمحطتي الجمهور وبصاليم، عندها ردّ نائب رئيس الحكومة وزير الصحة غسان حاصباني بالقول: "نحنا بدنا كهرباء رخيصة"، فعلّق الوزير جان أوغاسابيان قائلاً: "إذاً أعطونا البديل"، ليجيب حاصباني: "سبق أن اقترحتُ حلولاً ورفعتُها إلى مجلس الوزراء"، الأمر الذي سارع رئيس مجلس الوزراء إلى نفيه مؤكداً أنّ أي اقتراح من هذا القبيل لم يُرفع إلى الحكومة.
الإلغائيون والاستثمار الكهربائي
وبدا لـ"الجمهورية" ممّا يدور في مجلس الوزراء، وما يقدّمه بعض الوزراء من وعود بسرعة تنفيذ ما يعلنونه من مشاريع لطالما نامت في أدراجهم، أنّ السلطة، وخصوصاً بعض القوى النافذة فيها، لا تريد ترك أيّ أمر إلّا وستُسيّله انتخابياً، وكأنها كانت في ما مضى تحتجز للمواطنين حقوقاً طبيعية في مختلف إدارتها فقرّرت الإفراج عنها الآن بغية استمالتِهم انتخابياً لمصلحة مرشّحيها.
وتبيّن لـ"الجمهورية" من جلسة مجلس الوزراء أمس أنّ "التيار الوطني الحر" يحاول وخلفَه حليفه تيار "المستقبل" استثمارَ موضوع الكهرباء، دافعاً إلى إقرار ملف البواخر بغية "رشوة" الناخبين بكهرباء 24/24 حتّى ولو كان الأمر سيكلّف خزينة الدولة أكثر من مليار وثمانمئة مليون دولار تدور الشكوك حولها، في الوقت الذي يمكن لبنان أن يشتري البواخر المستأجرة حالياً للتزوّد بالطاقة الكهربائية والتي لا يكلّف ثمنها هذا المبلغ، بل أقلّ بكثير، وفي إمكان الدولة إذا اشترَت هذه البواخر أن تستخدمها إلى حين إنجاز معامل توليد الطاقة الكهربائية الجديدة، ومن ثمّ تبيعها كما تشاء، أو تُبقيها معاملَ توليد احتياطية.
تابعت "الجمهورية": "ولا يقتصر الأمر لدى المعنيّين على الاستثمار الانتخابي في الكهرباء غداً، بل يتعدّاه إلى استحضار ملفات أخرى "دسمة انتخابياً" بهدف الاستثمار نفسِه، ومن هذا، ملفّ العاملين في المستشفيات الحكومية الذي دفعَ مجلس الوزراء، بإيعاز من المستفدين انتخابياً، إلى شربِ حليب السباع وعقدِ جلسة ثانية لمجلس الوزراء اليوم للنظر في هذا الملف، وطبعاً الهدف كسبُ تأييد هؤلاء العاملين في الانتخابات. لكنّ هذه التصرفات دفعت الأفرقاء السياسيين، ولا سيّما منهم أولئك الذين يتعرّضون لـ"حرب إلغاء" يشنّها بعض القوى السياسية ضدّهم، إلى رفعِ الصوت، كاشفين أهدافَها الانتخابية ووعودَها التي ستتبخّر في اليوم التالي للانتخابات المقررة في 6 أيار المقبل، حيث يكون "من ضَرب ضَرب...ومن هرَب هرَب" والخاسر الأكبر سيكون لبنان واللبنانيون كهربائياً وفي كلّ شيء. فاجأ
في السياق، أشارت "الجمهورية" إلى أن الرئيس عون فاجأ مجلس الوزراء بطرحه ملفّ الكهرباء من خارج جدول اعمال جلسته، رافعاً سقف مقاربته لهذا الملف الى حدّ القرار بعقدِ جلسة قريبة للحكومة لبتّ "خطة البواخر" ما دامت الحلول البديلة غائبة.
وقالت مصادر وزارية لـ"الجمهورية" إنّ سبب طرحِ عون هذا ينطلق من قراره وضعَ الجميع امام مسؤولياتهم إزاء هذا الملف بعد مرور شهر على عدم ورودِ أيّ اقتراح أو ملاحظات على التقرير الذي كان قد وزّعه على الوزراء في جلسةٍ سابقة، ودعوته إلى ضرورة اعتماد حلول موَقّتة لإنتاج الطاقة الكهربائية ريثما ينتهي إنجاز معامل التوليد الكهربائي الجديدة، كذلك استند الى تركيز الدولِ المانحة على العجز المالي في مؤسسة كهرباء لبنان وغياب الإصلاحات في هذا القطاع.
وأفادت معلومات "الجمهورية" انّه بعد كلمة عون التي دعا فيها الى الكفّ عن التأجيل والمماطلة، والعمل لإيجاد الحلول الكهربائية الموَقّتة ريثما ينتهي انشاء معامل توليد الطاقة، وبعد دعوة الرئيس الحريري الوزيرَ ابي خليل الى رفعِ تقريره عن واقع الكهرباء والحلول المقترحة والبدائل تمهيداً لجلسةٍ لمجلس الوزراء تتّخذ فيها القرارات المناسبة، عُلِم أنّ الوزير ميشال فرعون اقترح تنفيذ مشروع المعامل الكهربائية الصغيرة على البر قرب منشآت الكهرباء، فردّ ابي خليل: "درَسنا هذا الاقتراح وكِلفته أغلى بنسبة 15% ، كما انّ عجز المحروقات مكلِف، فضلاً عن وجود أضرار بيئية له".
وأشارت "الجمهورية" إلى أنه لَم تكد تنتهي الجلسة حتى وزّعت الامانه العامة للمجلس جدول اعمال من 8 بنود وشكّلت الدعوة الى جلسة ثانية هذا الاسبوع بهذه السرعة مفاجأة ثانية للوزراء وحصَل لغط في البداية إذ وزّعت الأمانة العامة الدعوة ليوم الخميس فيما تمّ ابلاغ الوزراء انّ موعد الجلسة الأربعاء، ما أحدث بلبلة قبل تصحيح الموقف، وعلمت "الجمهورية" انّ سبب التسريع في عقد الجلسة هو اضراب المستشفيات الحكومية، إذ تضمَّن جدول الاعمال عرض وزارة الصحة لسلسلةِ الرتب والرواتب للمستخدمين والاجراء في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، وعرض واقع المستشفيات الحكومية .
ورأت مصادر وزارية لـ"الجمهورية" في هذا الجدول المستعجل اهدافاً انتخابية وتأمين تكاليف السفر الى مؤتمري "سيدر" وبروكسيل، خصوصاً وأنّ الجدول تضمّن تحديد موقع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس ورفع الحدّ الادنى للأجور في بعض المؤسسات العامة.
وأوضَحت مصادر "التيار الوطني" لـ"الجمهورية" أنّ عون سأل: "من لا يريد كهرباء في البلد؟ فأجابه وزير الاعلام ضاحكاً: أنا". وقال ابي خليل: "نريد تأمين الكهرباء بأسرع وسيلة وأقلّ كلفة، إذ انّ المشكلة تكمن في قلّة الانتاج والزيادة في الكلفة. لذا نحن مجبَرون على زيادة الطاقة الإنتاجية لتعديل التعرفة واعادة التوازن الى الكهرباء.
وتابعت مصادر "الجمهورية": العرقلة مستمرّة بسبب خروج مشروع من الباب ودخوله من الشباك، وهذا المشروع هو قصّة لامركزية انتاج الطاقة الكهربائية، اي في كل محطة تحويل رئيسية هناك قطعة ارض الى جانبها نضع وحدات إنتاجية ونغذّي المناطق بشكل لامركزي من التوتر المتوسطي. وهذا لا يسير تقنياً ومكلِف اكثر مالياً، ولا نستطيع تأمين الفيول لكلّ المناطق لوجستياً وغير سليم بيئياً. وإذا كان هذا المشروع غير سليم فلا يعني ذلك انّ كلّ مشروع يقدّم غير سليم". وكرّر: "الخطة اقِرّت منذ سنة وعُرقِلت، ووضعت لجنة وزارية عليها كلّ الطروحات وطلب الوزراء مراجعة مرجعياتهم فذهبوا ولَم يعودوا".
وقالت مصادر "القوّات" لـ"الجمهورية" إنّ وزراءها "أثاروا ملفّ الكهرباء مؤكدين انّ "القوات" كانت قد تقدّمت بخطة، وانّ الحلول متعدّدة، سواء كانت برّية او عائمة على الفيول او الغاز، لكنّها اصطدمت برفض تعديل دفتر الشروط لإفساح المجال امام مناقصة سليمة مطابقة للمعايير وتسمح بالمنافسة.
وتابعت مصادر "الجمهورية": وبما انّ المنافسة الصحيحة والسليمة ضمن المناقصة لم تكن متاحة، لم يفسح في المجال أمام الحلول التي أثيرَت في الإعلام مراراً وتكراراً ومنها مراسلات مع رئاسة مجلس الوزراء من أن تأخذ مجراها. فالعمل جارٍ على الطاقة الموَقّتة منذ العام 2013، وما هو موقّت يجب ان لا يتحوّل دائماً، والمعامل الحالية في الذوق وديرعمار بين الصيانة وتصحيح العقود تستطيع تأمينَ الطاقة الكافية والدائمة التي تعوّض لبنان عن الطاقة الموقّتة".
وأكّدت مصادر"الجمهورية"، "أنّ اللجوء إلى البواخر يتمّ فقط في حالات الطوارئ ولا تُستخدم لسنوات وكحلول دائمة، وبالتالي يجب ان تكون المناقصة واضحة ومفتوحة امام كلّ الاحتمالات المتاحة تقنياً ومالياً وزمنياً بغية الوصول الى الحل القادر على تأمين الكهرباء بأقلّ كلفة وأسرع وقت، فيما يجب التثبت من انّ الشبكة قادرة على حمل الطاقة، لأنّ زيادة الانتاج على شبكة غير مكتملة المواصفات تؤدّي إلى هدرٍ تقني وغير تقني يوازي 30% وربّما اكثر من ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الانتاج والهدر، وبالتالي زيادة الكلفة على المواطن والدولة".
وقالت المصادر"الجمهورية" "إنّ هذا الموضوع يُثار في كلّ جلسة أو جلستين من خارج جدول الأعمال، فيما اللجنة المكلفة دراسة الملف لم تتقدّم بأيّ اقتراحات لمجلس الوزراء، والمطلوب بكلّ بساطة إدخال التعديلات اللازمة على دفتر الشروط من أجل إجراء مناقصة واضحة وشفافة، والمعبر الأساس هو إدارة المناقصات، وكلّ ما هو خلاف ذلك لن يمرّ في مجلس الوزراء".
جلسة عادية لمجلس الوزراء بعد ظهر اليوم
وأشارت "الأخبار" إلى أن مجلس الوزراء يعقد جلسة عادية في السراي الكبير، عند الثالثة من بعد ظهر اليوم، وعلى جدول أعماله 8 بنود، أبرزها مشروع مرسوم يرمي إلى رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور في المجلس الوطني للبحوث العلمية وإعطاء زيادة غلاء معيشة للمستخدمين والمتعاقدين والأجراء في المجلس وتحويل سلاسل رواتب المستخدمين فيه، عرض وزارة الصحة لسلسلة الرتب والرواتب للمستخدمين والأجراء في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، مشروع مرسوم يرمي إلى رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور في المؤسسة العامة للإسكان وتحويل سلسلة المستخدمين فيها وإعطاء زيادة غلاء معيشة للمتعاقدين والأجراء لديها.