عاشت المناطق كلّها، بعد 15 سنة من الحرب، الاستقرار، باستثناء طرابلس فقد أمضت 22 عاماً، بعدما أُضيف إلى الـ15 سنة 7 سنوات عجاف، من العام 2007 حتى 2014، تخلّلتها مواجهات بين الجيش ومجموعات مسلحة متطرّفة، وجولات عنف بين التبانة وجبل محسن، ساهمت مجتمعة في مضاعفة الأزمات الاجتماعية في المدينة وفي عزلها عن محيطها.
قبل العام 1975 كانت طرابلس حاضنة شمالية جامعة لكل الانتماءات الطائفية، وسوقاً تجارية للمحيط، من سوريا وتركيا إلى إيران ودول الخليج. وكان مرفأ المدينة هو مرفأ العراق الذي يساهم في حضور الفيحاء إقليمياً، ويساهم في تطوير اقتصادها، وفي دعم قوتها التجارية. وكان كثيرون من التجار اللبنانيين من مختلف المناطق يتسابقون للحصول على "مرقد عنزة" في التبانة التي كانت تعرف بـ"باب الذهب" أو في أسواقها التجارية.
مع بداية الحرب، انتقلت الفتنة الطائفية إلى منطقة الشمال، فكانت طرابلس وزغرتا ضحيتين، فأُغلقت أسواق طرابلس أمام المناطق الشمالية، وفرضت عليها عزلة تامة، وتوقفت الحركة التجارية عبر المرفأ، وكانت المسبب الأول لهجرة المسيحيين من العاصمة الثانية، فسارع أبناء زغرتا وبشري، الذين كانوا يقطنون فيها ويملكون عقارات، إلى مغادرتها.
وأدت "حرب السنتين" إلى اختفاء معالم الدولة في طرابلس، في حين بدأ يتصاعد النفوذ الفلسطيني الذي كان يدعم الحركات والمنظمات التي تخوض المواجهات المسلحة ضد "المردة". ودفع غياب الدولة الأحزاب والشخصيات في المدينة إلى تشكيل قوة أمنية قوامها 150 عنصراً لحفظ الأمن. وساهمت "حركة فتح" في تمويل تأسيسها.
حصار
وضعت حرب السنتين أوزارها في العام 1976 بعد لقاء الهيكلية الشهير الذي جمع الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي. ودخلت قوات الردع العربية المدينة التي بقيت محاصرة من جهتي زغرتا وشكا وحاجز البربارة الذي كان ينكل بأبناء طرابلس وبالفلسطينيين على وجه الخصوص.
لكن طرابلس وبالرغم من الحصار المفروض عليها والخسائر الكثيرة التي لحقت بكبار تجّارها الذين بلغوا حدود الإفلاس، بسبب غياب مقومات الصمود الاقتصادي لم تتخلَّ عن التعايش الإسلامي -- المسيحي، ففتحت في العام 1976 ذراعيها لاستقبال نازحي الكورة بعد اجتياحها من جانب "الكتائب اللبنانية"، فاستقبلت في يوم واحد 30 ألف شخص ممن كانوا ينتمون إلى الأحزاب الوطنية، وفتحت لهم المدارس والمساجد والمنازل، وقامت الأحزاب بتأمين مستلزماتهم إلى حين تمكّنهم من عودتهم أو من إيجاد مساكن بديلة.
مع انتهاء حرب السنتين وتمركز الجيش السوري في طرابلس عادت الدولة بخجل إلى طرابلس، لكن القرار كان بيد الأحزاب الوطنية التي تشكل الواجهة للقرار السوري. وتمّ تأسيس هيئة التنسيق برئاسة الرئيس رشيد كرامي، لتبدأ بعد ذلك انعكاسات الخلاف بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تترجم في طرابلس وتحديداً بين التبانة وجبل محسن الذي اقتحمته الأحزاب، وانطلقت المعارك بين الحزب المدعوم من القيادة السورية من جهة والمقاومة الشعبية المدعومة من "منظمة التحرير الفلسطينية" من جهة أخرى.
وقد ضربت هذه المعارك الاسفين الأول في نعش المنطقة المزدهرة، فتحوّل جبل محسن من "أجمل تلة في طرابلس" إلى منطقة عمليات أمنية، وضُربت معامل الألبسة التي كانت منتشرة فيها، فيما بدأت التبانة تتلمس طريق الفقر والبؤس بعدما فقدت وظيفتها التجارية، وتحول شارع سوريا الذي كان يضجّ بالحيوية إلى أطول خط تماس في المدينة.
أحزمة بؤس ومجازر
ساهمت الهجرة من الأرياف إلى طرابلس في إيجاد أحزمة بؤس حول المدينة، بدءاً من أبي سمراء مروراً بالتبانة وجبل محسن والمنكوبين وصولاً إلى الميناء، ما ضاعف من الأزمات الاجتماعية في مدينة كانت تأكل من لحمها الحي في ظل الحصار المفروض عليها من كل حدب وصوب.
في غضون ذلك بدأت الحركات الإسلامية تبرز بدعم من "منظمة التحرير الفلسطينية"، ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، اجتمعت هذه الحركات والهيئات المسلحة، وأسست "حركة التوحيد الإسلامي" وبايعت الشيخ سعيد شعبان أميراً عليها.
ومع تنامي "التوحيد" انسحب الجيش السوري إلى أطراف المدينة وفرض حصاراً عسكرياً غير معلَن عليها، وبدأت الحركة بالقضاء على الأحزاب الوطنية في المدينة، "البعث" العراقي، "حركة 24 تشرين"، و"الحزب الشيوعي" الذي ارتكبت بعناصره وأنصاره مجازر في الميناء، وتمّ تهجير "الحزب السوري القومي الاجتماعي".
وقد دانت السيطرة لـ"حركة التوحيد" التي تنامى دعمها الفلسطيني مع وصول الرئيس ياسر عرفات إلى المدينة في العام 1983، لكن سرعان ما شنّت عليه القوات السورية حرباً ضارية تركزت بين جبل تربل والبداوي عرفت بـ"حرب أبو عمار" وقصفت خلالها المدينة بالمدفعية والصواريخ، قبل أن تنجح الاتصالات في إقناع أبو عمار بالانسحاب من طرابلس، لتصبح السلطة المطلقة بيد "حركة التوحيد" التي حكمت المدينة، ما أدى الى مزيد من هجرة المسيحيين، بالرغم من عدم تعرّض أي من الرموز المسيحية للاعتداء، ما أدى إلى تحويل طرابلس إلى "كانتون" منغلق على نفسه يشهد جولات عنف متتالية على جبهات التبانة وجبل محسن، ومحاصر من القوات السورية، ومن ورائها جنوباً من "القوات اللبنانية" عبر حاجز البربارة.
مدينة فقيرة
في العام 1985 طلب "التجمّع الوطني الاجتماعي» من القيادة السورية دخول طرابلس، وما هو إلا أسبوع واحد حتى اندلعت حرب طرابلس الكبرى بين "التوحيد" والأحزاب الوطنية التي كانت الواجهة للجيش السوري، وقد أدت هذه الحرب التي استمرت شهراً كاملاً إلى تدمير طرابلس عن بكرة أبيها، لتنتهي باتفاق يقضي بدخول الجيش السوري المدينة، والذي ضرب بيد من حديد. وواجه قادة "التوحيد" الخيار بين الركون للقرار السوري، أو الهروب أو التصفية الجسدية، كما حصل مع الشهيد خليل عكاوي أبو عربي الذي اغتيل في 9 شباط 1986، وحصلت من بعد اغتياله مجزرة التبانة التي حصدت المئات من الأبرياء.
ويمكن القول إن الحرب وضعت أوزارها في طرابلس بشكل رسمي منتصف العام 1986، بعدما نجحت المخابرات السورية في فرض سطوتها عليها، لتبدأ أعمال الإعمار التي تولتها "أوجيه لبنان"، لكنها لم تشمل المناطق المنكوبة.
بعد اتفاق الطائف، كانت طرابلس قد أنهكت بالكامل وتحوّلت من مدينة ذات دور اقتصادي وتجاري وطنياً وإقليمياً، إلى مدينة فقيرة لا تمتلك أبسط مقومات الحياة، وأقفلت مصانعها تدريجاً والتي كانت تؤمن فرص عمل للآلاف من الطرابلسيين.
ومما زاد الطين بلة، أن الفيحاء بقيت على لائحة الانتظار فيما كانت ورش الإنماء والإعمار تنطلق في العاصمة بيروت والمناطق الأخرى. وهُمشت المرافق الأساسية في المدينة وغابت المشاريع الكبرى باستثناء ما يُعرف بـ"مشروع الحريري" في محلة البقار. فبقيت صورة الحرب ماثلة للعيان بين التبانة وجبل محسن ولم يبادر أي طرف إلى إجراء مصالحة بين المتنازعين.
(غسان ريفي - السفير)