قد تكون أسماء منظمي حملة "طلعت ريحتكم" جديدة على السمع، وهي أسماء لم ترث السياسة، وفي فمها ملعقة ذهب، ولم تأت إلى الساحة من باب الاحزاب والطوائف والمذاهب، ولو هي أتت من هذا الباب لكان الفشل أول انجازاتها.
للمرة الاولى منذ زمن بعيد تضطر الحكومة إلى إدخال تغيير على أجندتها. فلو لم تكن حركة 22 آب فعّالة وموجعة لما كانت الحكومة النائمة على حرير الاستسلام للأمر الواقع استفاقت من سباتها وعدّلت في مواعيد اجتماعاتها، وهي كانت تتصرّف حتى الأمس القريب وكأن أمور البلد على خير ما يرام، وكأن لا نفايات تملأ الشوارع وتهدّد بكارثة بيئية وصحية خطيرة، وكأن التيار الكهربائي مؤمن 24 على 24 ساعة من دون انقطاع، وكأن لا أزمة رواتب تلوح في الأفق مهددة مصير الآف العائلات بلقمة عيشهم، وكأن لا مشكلة إذا بقيت البلاد من دون رئيس لأكثر من سنة وأربعة أشهر، وكأن جميع المواطنين قادرون على تمضية إجازاتهم في جزيرة ميكنوس مثلًا أو في أي جزيرة أخرى.
لم يكن تجاوب اللبنانيين العفوي مع حركة 22 آب سوى نتيجة يأسهم من الطبقة السياسية التي تحكمّت برقابهم على مدى سنوات، وقد وصل بهم القرف حدّاً متقدماً، وهم رأووا في هذه الحركة الجديدة ما يعبّر عن هواجسهم وعن توقهم إلى التغيير.
فهذه الحركة عرّت هذه الطبقة المطبقة على الأنفاس حتى من ورقة التين، وقد أصبحت مكشوفة أمام الرأي العام وأمام من استسلموا لمشيئتها واراداتها طوال عقود من السنين، من دون أن تقدّم لهم ما يقنعهم بأن مستقبل ابنائهم سيكون في هذا البلد أفضل من مستقبلهم.
ما بعد 22 آب ليس كما قبله. فكل خطوة ستخطوها الحكومة، إن خطت، ستكون مدروسة على مقياس نبض الشارع، وكذلك ستفعل الاحزاب المفترض بها أن تكون الصدى الطبيعي لوجع الناس.
بعد اليوم سيحسب أصحاب الصفقات والسمسرات ألف حساب، لأنهم يدركون سلفاً أن ثمة من يراقبهم بدقة وسيحاسبهم، وسيكون حسابهم عسيراً.
بعد اليوم لن يكون للمصالح الخاصة مكان، أقله هذا ما يؤمل، وسيكون سباق على خدمة الناس وتقديم مصالحها على أي مصلحة أخرى، وهذا ما يتمناه كل مواطن لا يزال يؤمن بأن التغيير آت لا محال.
فالجدار الإسمنتي الذي أقيم بالأمس لحماية السراي الحكومية لن يكون أعتى من الجدار الذي أقامته هذه الطبقة السياسية بينها وبين الناس منذ زمن طويل. وكما سقط الثاني سيسقط الأول.