مشاهد لافتة. شعارات يسكنها الإبداع والغضب. مفاجآت وتطوّرات، شهدتها ساحات التظاهر التي افترشتها عناصر مجموعة "#طلعت_ريحتكم" للإعتراض على أزمة النفايات التي التهمت لبنان، وعلى طبقة حاكمة ينخر لحمها الفساد والجشع. ساحٌة سرعان ما اختُطفت من ما سموا بالـ "مندسين"، للتحوّل فجأة الى ميدان للشغب والدمار.
واكب الإعلام "يوميّات" التظاهرات، بل دقائقها، غالباً عبر النقل المباشر والذي يعد في كثير من الاحيان، بمفاجآت لم تكن في الحسبان. فأثناء قيام مراسل الـ MTV بنقل رسالة مباشرة من ساحة الشهداء، وتحديدا من امام مسجد محمد الامين، وقف شابٌ، مغطى الوجه، خلف الاعلامي جورج عيد وراح يقوم بحركات راقصة، كاد يتغّلب بها على "بيونسيه".
يكشف عيد في حديث لـ "لبنان24" انه لم يلاحظ تواجد الشاب حتى ان المصورين لم يتنبهوا له. لكن في اليوم التالي، ارسل زملاء له في العمل مقطع الفيديو هذا الذي شاهده حتى الساعة مئات الاشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعيد تعرّض سابقاً لحادثة طريفة اثناء بثّ مباشر من القلمون، اذ "هوجم" من شاب طبع قبلة على خدّه وذهب. غير ان هذه الواقعة تختلف، برأي عيد، وهي حصلت لحظة "كانت الدني ولعانة في بيروت". فهو لا يرى انها طريفة في وقت كانت الاجواء مقلقة جراء اعمال الشغب والتخريب. يقرّ عيد بأن ثمة كثيرين من المواطنين يتوّسلون الظهور امام عدسات الكاميرا في مواقف عفوية وطريفة، لكن تصرفات هذا الشاب "الغريبة العجيبة" لربما تشير الى انه كان يستخفّ بتظاهرة محقة ذات شعارات صائبة تحاكي اوجاع اللبنانيين. هل هو اذاً من المندسين؟ يعتقد عيد ذلك من دون ان يجزم: " في تلك الساعة من الليل، كانت عناصر "طلعت ريحتكم" قد توجهت الى مكان آخر بفعل التطورات الخطيرة التي فرضت، ولم يتبق في المكان سوى مفتعلي المشاكل مع القوى الامنية.
عيد يكشف أنّ "ثمة مشاهد مصوّرة اخرى يظهر فيها هذا الراقص كاشفاً عن وجهه ما سيسهل عملية التعرّف الى هويته". وإذا كان عيد لم يتمكن من مشاهدة رقصة "المندّس" امام الكاميرا بأم العين في لحظتها، الا ان مشاهداته العالقة في رأسه كثيرة.
يشير عيد الى انه وكثيرين من زملاء المهنة استطاعوا تلمس مشهدين مختلفين بين النهار والليل. فحتى ساعات ما بعد الظهر، كان للتظاهرة رونق وطعم ومعنى: شريحة شابة تطالب بالتغيير، تعبّر عن قرفها من طبقة حاكمة فاسدة، بطريقة سلمية ومتحضرة. لا يسقط من ذاكرته شعار "القصة مش قصة زبالة القصة قصة نظام بالي وسياسيين خالصا صلاحيتن"، الذي رفعه احد المشاركين في حملة "طلعت_ريحتكم". وطوال الوقت، كانت القوى الامنية تمارس مهامها من دون التعرض للمحتجين. وفجأة، وتحت جناح الظلام، اقتحمت عناصر "مجهولة" هذا التحرّك متوجهة مباشرة الى "خطوط التماس" وبدأت باثارة الشغب ما استدعى ما حصل من ردّ من قبل القوى الامنية.
أكثر ما "رنّ" في اذن عيد وقتذاك، شعارات طائفية وحزبية لا تمتّ بصلة الى حراك مدني يحلم بالتغيير والمحاسبة، وكأن مطلقيها سعوا عن سابق تصور وتصميم الى اختطاف التظاهرة السلمية وثني المحتجين عن العودة الى الشارع جراء الشغب الذي افتعلوه.
لكنه يعتقد بل يؤمن بأن هذه التحركات السلمية المحقة، التي اضاءت على قضايا انهكت اللبنانيين، مستمرّة:" اغرقونا بالفساد، سكتنا. بالطائفية والحروب سكتنا. جعلوا من جواز سفرنا الاسوأ في العالم، صمتنا. حتى عن الزبالة يريدون كمّ افواهنا؟ كفى...
ولكن برأيه، على مجموعة "طلعت_ ريحتكم" الانتقال الى الخطوة الثانية عبر "مأسستها". الصرخة سُمعت وقلنا ما لا يعجبنا. حان وقت طرح الحلول المنطقية والقابلة للتطبيق في جدول زمني محددّ.
وعلى رغم الخيبات التي ذاق اللبناني مرارتها مرات كثيرة، يبقى الامل في التغيير. كما علينا فرز النفايات، علينا ان "نفرز" طبقة من الشباب لتحكم وتنشد دولة تحترم مواطنيها.
(لبنان24)