مفاجآت من العيار الثقيل قد يحملها أيلول بطرفه لهذا العام، مع تسارع وتيرة الحراك الدولي الذي انتقل من مرحلة الحراك الديبلوماسي الى مرحلة الحراك على مستوى قادة الدول في إشارة إلى أحد أمرين وهما، إما دقة المرحلة الحاضرة والحاجة الملحة إلى تواصل مباشر بين القادة "الكبار" لحزم شؤونهم وفصل ما يلزم من أمور عالقة بدون كفوف ديبلوماسية، وإما أن الديبلوماسية أنهت التحضيرات المطلوبة منها لترتيب أوراق الحل وحان الوقت لمناقشة نقاطها لإدخالها "الفرن" لإنضاجها بالتزامن مع بدء العدّ العكسي للملف النووي من دخوله النهائي حيز التنفيذ.
وفي كلا الأمرين، فإن الساحة الشرق أوسطية على موعد مع تغييرات جذرية مرتقبة للمشهد الذي وسم حياتها السياسية في السنوات السابقة بالوان ربيع دموية، ومازال، وإن بوتيرة أخف مع تبدل في أوجه الصراع ومساراته، وربما المؤشر على ذلك زيارة مرتقبة للعاهل السعودي الملك "سلمان بن عبد العزيز" لواشنطن، ستجري في 4 أيلول القادم وهي الزيارة الأولى من نوعها للعاهل السعودي لواشنطن، منذ توليه الحكم في كانون الثاني الماضي، حيث تكتسب هذه الزيارة أهمية كبيرة نظرًا لما يمكن أن ينتج عنها من مبادرات جدية لفتح آفاق الحل أمام الملفات الساخنة العالقة في المنطقة وفي مقدمتها الملف السوري،
هذا الحراك كان سبقه مشاورات كثيرة أخرى جرت في هذا الإطار، أبرزها تلك التي جمعت كل من الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، والملك الأردني" عبد الله الثاني"، وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" مع المسؤولين الروس في العاصمة موسكو حيث عبروا عن دعمهم لروسيا في حل الازمة السورية.
بالطبع هذه التغييرات المرتقبة لن تمر على لبنان مرور الكرام، وإن كان اتجاه الجهود الدولية حاليًا مصوبًا بالدرجة الأولى باتجاه ايجاد قواسم مشتركة ومرضية تخرج الملف السوري من عنق الزجاجة، بالتزامن مع محاولة انتزاع تعهدات من مجموعة قوى دولية مؤثرة، بالعمل على محاربة التتظيمات الإرهابية عبر تجفيف منابع قوة "تنظيم داعش" وقطع الشرايين التي تمدّه بالقوى والقدرة على التمدد خارج الحدود.
فبوادر التغيير في لبنان يبدو أنه انطلقت صفاراتها مع الحراك الشعبي العريض الذي شهدته الساحة اللبنانية بالأمس على خلفية ملف النفايات، بعدما فشل كل من فريقي 8 و14 آذار في تحصين خاصرتهم الداخلية الرخوة عبر معالجة أي من الملفات الإقتصادية والإجتماعية والحياتية الملحة، مكتفين بحبس انفاس سلبي تحت سقف حكومة لم تشكل إلا لمصلحة بقائهما المشتركة وذلك بغطاء دولي، زجهم في الإقامة الجبرية للحوار انطلاقًا من الحاجة الدولية لاستقرار لبنان وتمريرًا للوقت ريثما تكشف التسويات خارطة الطريق الجديدة لدول المنطقة،
إلى أن "حسابات الحقل غير حسابات البيدر"، فتقديرات 8 و14 آذار لما يحيكه حلفاءهم من تسويات تمنحهم مزيدًا من النفوذ والانتصارات، يبدو أنها لن تكون على قدر تطلعاتهم وطموحاتهم، هذا عدا عن إضاعتهم سابقًا فرصة لبننة الإستحقاق الرئاسي، الذي كان من الممكن أن يمنحهم حصانة لحيثيتهم السياسية من الضياع. فالحراك الشعبي الواسع الذي حصل بالأمس بما حمله في شكله ومطالبه من عزم وحزم، فتح رزنامة مواعيد جديدة في المسار السياسي اللبناني، أولى مؤشراتها، يمكن قراءتها من ساحة الشهداء التي لفظت بالأمس كل الشعارات الآذارية وربما أبرزها "نزع السلاح غير الشرعي" وابتلعت في المقابل الاكثريتين الآذرتين بالحشد الكبير الذي نزل بالأمس مسلحًا بالأعلام اللبنانية وبعناوين مطلبية محقة مدفوعا بحكم الحاجة والعوز.
هذا المؤشر لا يمكن قراءته بمعزل عن المساعي الدولية على خط حلحلة عقد المنطقة، والتي قد تستلزم على الصعيد اللبناني حشر كل من فريقي 8 و14 آذار في الزاوية كرسالة لحلفائهما نحو تحقيق مزيد من الضغط لتقديم تنازلات في مكان، مع عدم استبعاد فرضية جنوح القوى الدولية المشرفة على هذه المساعي وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية الى تشجيع ودعم هذا الحراك الشعبي في حال حافظ على زخمه وقوته واستطاع تحقيق استقطاب اكبر لدى القاعدة الشعبية ليكون المدخل لوجه لبنان الجديد بما يتناسب وركب التغيير الذي يحاك للمنطقة.
بكل حال، زيارة مرتقبة سيقوم بها هذا الاسبوع مساعد وزير الدفاع الأميركي للشؤون السياسية إلى لبنان سيلتقي فيها كل من الرئيس نبيه بري ورئيس الحكومة تمام سلام وقائد الجيش العماد جان قهوجي وقد تحمل هذه الزيارة رسائل هامة للقوى اللبنانية على أكثر من اتجاه.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)