خلال ساعات معدودة، مثَل أمام المحكمة العسكريّة متهّمان بقضيتين منفصلتين، وإن كانتا متشابهتين في التحضير لأعمال إرهابية، هما الوزير السابق ميشال سماحة والداعية الإسلامي عمر بكري فستق.
وشاءت الظروف أن يكون توقيت حضور الموقوفين الإثنين هو بُعيد تنفيذ عمليّة اقتحام القوى الأمنية لسجن رومية بغية صدّ أعمال الشغب، التي قام بها عدد من الموقوفين لإعادة إحكام السيطرة على المبنى الجديد، تماماً كما كان الوضع عليه في "إمارة المبنى ب".
الكثير من المفارقات شابت جلسات متتالية على مدى ساعات تُعدّ على أصابع اليد الواحدة وأمام هيئة محكمة واحدة، فيما الحاضرون هم أنفسهم لم يتغيّروا..
حوالي الساعة 12 ظهراً، نظّمت القوى الأمنية عمليّة جلوس المحامين والموقوفين والشهود والصحافيين داخل قاعة المحكمة، ليصار إلى إخلاء قسم كامل من المقاعد لإدخال أفراد عائلة "معاليه السابق" الذي تعدّوا العشرين شخصاً لحضور الاستجواب الأوّل لسماحة تحت قوس المحكمة العسكريّة.
وبعد نصف ساعة، كان سماحة يخرج من الباب المخصّص للموقوفين ليلوّح لأقاربه والعارفين بكلتا يديه، وهو بكامل أناقته مرتدياً بنطال وجاكيت كحليّة وقميص أبيض وحذاء أسود لم يعرف الغبار إليه طريقاً.
فتح سماحة أمام كلّ الحاضرين "صندوقه الأسود" معترفاً بكلّ ما نسب إليه من تهم بدءاً من التحضير إلى عمليات أمنية في عدد من المناطق اللبنانيّة، ولا سيّما الشماليّة منها، ومروراً بنقل متفجرات من دمشق إلى بيروت على متن سيارته من نوع "أودي".
وما إن أنتهى استجواب سماحه، حتى طلب من رئيس المحكمة العميد الركن الطيّار خليل ابراهيم مقابلة أهله. فكان له ما أراد: لقاء على مدى ساعة كاملة في مكتب أحد الضباط مع أقاربه الذي أخذوا يدخلون على دفعات.
وبعد أقلّ من ساعة على انتهاء "جلسة الاعترافات - القنبلة"، دخل عمر بكري فستق آتياً من المكان نفسه الذي أتى منه سماحة (رومية)، من دون أن يجد من يستقبله داخل القاعة، فزوجته أو أقاربه لن يعمدوا إلى محاولة حضور الجلسات لأنّهم يعرفون أنّهم سينتظرون على بُعد أمتار بعيدة عن مقرّ المحكمة، وفي المكان المخصّص للأهالي الذين عادةً ما يأتي بعضهم للاطمئنان عن سير الجلسة، ولو من بعيد.
دخل فستق وهو يجرّ قدميه الحافيتين إلا من جواربٍ كحليّة، مرتدياً بنطال يكاد أن يتمزّق وكنزة رياضيّة متسخة، وهو الذي عادةً ما يرتدي لبوساً شرعياً. لم يستطع فستق أن يمسح العرق الذي تجمّع على جبينه فيداه المتسختان "شحباراً أسود" تمنعه من ذلك. وما إن حطّ الداعية الإسلامي تحت قوس المحكمة حتى رفع كنزته ليظهر علامات الضرب على ظهره من جراء اقتحام السجن، مدعياً أنه ضرب أيضاً في أثناء سوقه إلى المحكمة من قبل عناصر "الفهود"، ما استدعى من العميد ابراهيم تكليف طبيب السجن للكشف عليه وكتابة تقرير يقدّم إلى المحكمة فور انتهائه. وروى فستق ما حصل داخل السجن، زاعماً أن الغرفة المسجون فيها لم تشارك بعمليات الشغب وإنما على العكس من ذلك "فقد منعنا المشاغبين من تكسير أبواب الغرفة. نحن إذا كسّرنا باب الغرفة أو أدواتها التي نستخدمها فإننا نضرّ بأنفسنا. كما أننا ساهمنا في تسليم العناصر الأمنية المحتجزين منذ يومين".
وبعد جلسات متتالية بسبب عدّة ملفات له أمام المحكمة وفي اليوم نفسه، خرج فستق من دون أن يطلب من رئيس المحكمة مقابلة أهله، فلا أهل له هنا ولا من يحزنون!
هما مفارقتان مع شخصين مختلفين أحدهما بـ"كرافات" والآخر بكنزة صوفية، ولكن قد لا يكون لهيئة المحكمة العسكريّة الدائمة ذنباً في ما جرى. فسماحة ليس موقوفاً في المبنى الذي جرت فيه أعمال الشغب بل إنّه في غرفة انفراديّة عكس فستق، الذي أكّد أن "الشحبار" العالق على يديه بسبب إجباره على النوم على الأرض المليئة بالتراب، فيما المنطق يقول إن "الشحبار" قد يكون ناتجاً عن عمليّات الحرق التي جرت داخل السجن والتي أنكر فستق المشاركة بها لدى سؤاله عنها.
ربّما لم يقدّم فستق طلب حضور أهله المحاكمات، فيما أصرّت عائلة سماحة من خلال طلب من محاميه على ذلك.
وبالتالي، قد تكون الصدف هي وحدها التي تنتج مفارقات لمدعى عليهما إثنين، كل واحد فيهما بمشهد مختلفٍ عن الثاني!
(خاص "لبنان 24")