صمتت المدافع منذ سنوات في لبنان لكن ارتداداتها لا تزال قائمة لأن الأيام توارثت حالة اللاستقرار الأمني الذي يعكس حالة من الخوف تتمحور حول أن اللبناني يتعرض كل يوم لخطر الأمن بأشكال مختلفة.
لو راقبنا وجوه اللبنانيين التي كانت حتى وقت قصير سمحة ومبتسمة لوجدنا علامات الانهاك والتعاسة واضحة على هذه الوجوه مع ارتفاع عدد مرضى الأعصاب في ظل غياب أي دراسة طبية وطنية تشير الى عدد المصابين بالأمراض العصبية وأسبابها ومدى انعكاسها على سلوك المواطنين.
من أبرز عوارض التوتر في سلوك اللبناني تحول الخلاف في العمل أو المنزل الى مشكلة كبرى، بروز ردود فعل سريعة تجاه مشكلات يومية بسيطة، التعبير بالصراخ والأصوات المرتفعة، الشعور الدائم بـ"ضيق الخلق"، تراجع الحوار في العلاقات الزوجية والاجتماعية لصالح تصاعد الخلافات.
في زمن الحرب، كان المواطنون يتحملون ضغط الحرب اليومي لأن الأولوية بالنسبة اليهم كانت النجاة من الموت وعندما كانت تنتهي جولة العنف كانت تحصل حالات من الانهيار العصبي والتعبير عن مشاعر اليأس والعدائية وكأن الجسم كان يشكل سياجاً ليحمي نفسه ثم ما يلبث أن ينهار ذلك السياج فيظهر التأثير السلبي الحرب.
في زمن السلم النسبي ينقسم الناس في ردود فعلهم تجاه موجات التوتر السياسي والأمني الى قسمين: الأول هم الأشخاص الذين اكتسبوا القدرة على التحمل ويكملون حياتهم معتبرين أنه مر عليهم الكثير، لكن هؤلاء يترددون في اتخاذ القرارات حتى تلك المفصلية بشأن أي مشاريع خاصة، أما القسم الثاني فهم الذين أضعفتهم التجربة وجعلت لديهم حساسية تجاه أي حادث يذكرهم بها مثل سماع صوت إطلاق نار أو انفجار إطار سيارة أو متابعة برنامج يحتوي على مشاهد عنف وفي حال استمر تذكيرهم بالحرب تظهر لديهم مشاكل صحية، علماً أن هناك 121 مليون شخص في العالم يعانون من أعراض التوتر و24 مليون من الفصام و50 مليون من داء الصرع، وبحسب منظمة الصحة العالمية فهناك نحو مليون شخص يقدمون على الانتحار سنوياً فيما يحاول نحو 20 مليون شخص الانتحار.
هذه الأرقام الصادمة تفضي الى أسئلة بديهية: ماذا عن لبنان في ظل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المستدامة؟ الى أي مدى هناك تزايد في الاضطرابات النفسية بين صفوف اللبنانيين وماذا عن انعكاسها على الامراض الجسدية؟
مما لا شك فيه أن هناك تلازماً بين التوتر والأمراض الجسدية ومن الأمراض التي يزيد التوتر من انتشارها: القرحة المعوية، الربو، داء الشقيقة، ارتفاع حرارة الجسم،ارتفاع ضغط الدم الذي يعتبر أحد أسباب تصلب الشرايين وما ينتج عنه من احتمالات حصول الذبحة القلبية أو الفالج، أوجاع متكررة في الرأس والصدر، ضيق في التنفس، تنميل في الأطراف، دقات قلب سريعة، الشعور بالأرق والنوم المتقطع.
مفهوم الصحة، بحسب منظمة الصحة العالمية، هو حال من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية وليس مجرد انعدام المرض أو العجز، فهل ينطبق هذا المفهوم البسيط على صحة اللبنانيين أم ان لقصتهم مع التوتر الدائم بحث آخر؟
(خاص "
لبنان24")