لن ينتج الحوار بين قادة الكتل النيابية انتخاب رئيس جمهورية جديد قريباً، فما حددوه من مواصفات لهذا الرئيس جاءت منطبقة، كل على مرشحه أو مرشحيه من دون أن يذكروا إسم أي مرشح، ولكن أسماء مرشحي جميع الأفرقاء باتت معروفة ولا حاجة الى إشهارها.
وإذ جاءت هذه المواصفات متناقضة، فقد شكل ذلك دليلاً على البون الشاسع بين فريقي 8 و14 آذار حول الإستحقاق الرئاسي وشخص الرئيس العتيد، فكل منهما حدد مواصفات الرئيس التوافقي على طريقته، شارحاً فهمه لهذه التوافقية، إلى درجة ان 14 آذار اتكأت على تجربتها مع "توافقية" الرئيس السابق ميشال سليمان، فيما فريق 8 آذار نأى بنفسه عن هذه التجربة التي لم تكن مشجعة في رأيه، ولا يريد لها أن تتكرر مع الرئيس المقبل، وذهب إلى تحديد مواصفات لرئيس يبدد "هواجسه" إزاء القضايا الاستراتيجية وعلى رأسها المقاومة، وهو ما عبّر عنه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، فيما حدد عضو تكتل "التغييير والاصلاح" النائب ابراهيم كنعان مواصفات تنطبق على رئيس التكتل النائب ميشال عون واعترف بهذا الأمر بلا تردد. وإذ فهم فريق 14 آذار من مداخلتي رعد وكنعان تمسك "حزب الله" و"التكتل" بترشيح عون، جاء الرد في مداخلة رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة بعدم تأييد صريح لعون، ما دفع الأخير للمجيء إلى الحوار "كمن يمشي على بيض"، خصوصاً أنه فهم الاشتباك الذي حصل بين نوابه ونواب "المستقبل" خلال الإجتماع الأخير للجنة الأشغال والطاقة على أنه وجه آخر من وجوه الحرب المشنونة على ترشيحه منذ ما قبل انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان.
ويقول أحد أقطاب الحوار لـ"لبنان 24" ان ليس في قاموس عون الرئاسي أي شيء إسمه "رئيس توافقي"، فهو كان ولا يزال يتصرف على أساس ان الرئاسة من حقه، وان الآخرين نكثوا بالإتفاق الذي حصل في مؤتمر الدوحة عام 2008 وقضى بأن يتنازل هو عن ترشيحه للرئاسة يومها لمصلحة "المرشح التوافقي" ميشال سليمان على أن تكون الرئاسة من نصيبه بتأييد الجميع بعد انتهاء ولاية سيلمان.
ولذلك كان حضور عون في الجلسة الأولى من الجلسات المكثفة بمثابة "جس نبض" للمتحاورين ومعرفة مناخهم الرئاسي وعندما إكتشف انهم لن يتوافقوا عليه غاب بشخصه عن بقية الجلسات التي انتهت بأن قدم الجميع مقترحاتهم لمواصفات الرئيس العتيد الى بري الذي "سيجوجلها" ويصوغ منها تصوراً مشتركاً سيقدّمه للمتحاورين في جلسة الحوار المقررة في 26 الجاري علهم يتوافقون عليه ليبدأ البحث عن المرشح او الشخصية التي تنطبق عليها هذه المواصفات ليتم انتخابها.
وفي هذا السياق يُنقل عن بري ان لا ضير في ان تنطبق هذه المواصفات على مجموعة مرشحين وأن يخوضوا السباق الرئاسي جميعاً لينتخب المجلس النيابي واحداً من بينهم في عملية انتخابية ديموقراطية. لكن بري يشكك في إمكان ان يكون هذا الأمر بهذه السهولة لأنه لا يرى بعد ان الأفرقاء السياسيين جاهزون لخوض المعركة الانتخابية في ظل غياب المناخ الاقليمي والدولي الملائم الذي من شأنه تشجيعهم على إنجاز هذه العملية الدستورية، خصوصاً ان رئيس الحكومة تمام سلام عاد من نيويورك محبطاً لاكتشافه بأن المجتمع الدولي غير مكترث بلبنان وأزمته.
ولقد كان بري يعول على التسوية التي طرحت في شأن الترقيات العسكرية قبل ان تُجهض، من أجل عودة مجلس النواب إلى عمله التشريعي، وعودة مجلس الوزراء إلى عمله التنفيذي، ما يرسي بدايات توافق يبنى عليها لانجاز الاستحقاق الرئاسي، لكن هذه الفرصة تم تضييعها في رأي بري، ليغدو البلد معلقاً بحبل استمرار حوارين ليس مقدراً لهما انتاج حلول عملية قريباً: الحوار بين قادة الكتل النيابية، والحوار بين "حزب الله" وتيار "المستقبل"، وهذان الحواران ستجاوران في عين التينة بعدما تقرر نقل الحوار النيابي إلى مقر رئاسة مجلس النواب بناء على اقتراح النائب سامي الجميل وموافقة جميع المتحاورين عليه.
يقول القطب الحواري ان الحوار النيابي حقق حتى الآن "ربط نزاع" بين القوى السياسية مثل "ربط النزاع" الذي حققه الحوار بين "حزب الله" وتيار "المستقبل"، ولكن الحوارين أثبتا عدم قدرة الأفرقاء اللبنانيين على انتاج أي حلول لبنانية داخلية للأزمة بمعزل عن الإرادات الخارجية. ولذلك بات الحواران يشكلان عاملي استقرار للبنان الموضوع، على ما يبدو، على لائحة انتظار ما سيؤول اليه المشهد السوري المستجد بفعل التدخل العسكري الروسي لمصلحة نظام الرئيس بشار الاسد، وهذا المشهد يعول عليه عون متمسكاً بترشيحه لرئاسة الجمهورية الذي يدعمه "حزب الله"، ولا يعير إهتماماً لمواصفات "الرئيس التوافقي" التي حددها بقية أطراف الحوار.
يخلص القطب الحواري إلى القول ان "غارة "السوخوي" السورية ذات المنشأ الروسي هي التي أخرجت العماد عون من القصر الجمهوري في 13 تشرين الاول عام 1990، ويبدو ان الرجل يراهن على ان "السوخوي" الروسية التي تقصف "داعش" وأخواتها في سوريا الآن ستعيده إلى هذا القصر!؟"
(خاص "
لبنان 24")